ارتفاع قياسي للبطالة في السويد: معدل 10.4% يثير المخاوف الاقتصادية العميقة
أظهرت بيانات حديثة صادرة عن مكتب الإحصاء السويدي (SCB) ارتفاعاً ملحوظاً ومقلقاً في معدل البطالة خلال شهر يناير الماضي، ليصل إلى مستويات غير مسبوقة منذ فترة طويلة. فقد سجل المعدل غير المعدل للبطالة 8.6% في يناير 2024، مقارنة بـ 8.3% في ديسمبر 2023. والأكثر إثارة للقلق هو أن المعدل الإجمالي للبطالة، الذي يشمل جميع الفئات العمرية، بلغ 10.4% في يناير 2024، مما يعكس تحديات اقتصادية متزايدة تواجه المملكة الاسكندنافية ويضع ضغوطاً كبيرة على سوق العمل السويدي.
تؤكد هذه الأرقام تراجعاً واضحاً في سوق العمل السويدي، حيث ارتفع عدد العاطلين عن العمل إلى 489.7 ألف شخص في يناير 2024، مقارنة بنحو 476.8 ألف شخص في ديسمبر 2023. كما شهدت بطالة الشباب، التي تشمل الفئة العمرية من 15 إلى 24 عاماً، ارتفاعاً حاداً لتصل إلى 23.3% في يناير الماضي، مقابل 21.5% في الشهر الذي سبقه. هذه النسبة المرتفعة بين الشباب تثير مخاوف جدية بشأن مستقبل القوة العاملة السويدية. وفي المقابل، تراجع معدل التوظيف الإجمالي إلى 68% في يناير، بعد أن كان 68.7% في ديسمبر 2023، مما يشير إلى تقلص فرص العمل المتاحة وصعوبة في استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل.
السياق العام والخلفية التاريخية للاقتصاد السويدي
لطالما اشتهرت السويد بنموذجها الاقتصادي القوي، المعروف باسم “النموذج الاسكندنافي”، والذي يتميز بدولة رفاهية شاملة توفر شبكة أمان اجتماعي واسعة، ومعدلات بطالة تاريخياً منخفضة مقارنة بالعديد من الدول الأوروبية الأخرى. يعتمد هذا النموذج على استثمارات كبيرة في التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية، إلى جانب سوق عمل منظم ومرن نسبياً. وقد ساعدت هذه الأسس المتينة السويد على تجاوز العديد من الأزمات الاقتصادية العالمية في الماضي، مثل الأزمة المالية في التسعينيات والأزمة المالية العالمية عام 2008، بفضل قدرتها على التكيف ومرونة سياساتها الاقتصادية.
ومع ذلك، فإن الاقتصاد السويدي، شأنه شأن الاقتصادات العالمية، لم يسلم من تداعيات التحديات الأخيرة. فبعد فترة من النمو المستقر نسبياً، بدأت عوامل متعددة في إلقاء بظلالها على سوق العمل. من أبرز هذه العوامل التضخم المرتفع الذي شهدته السويد بعد جائحة كوفيد-19 والحرب في أوكرانيا، مما دفع البنك المركزي السويدي (Riksbank) إلى رفع أسعار الفائدة بشكل متكرر وبوتيرة سريعة لكبح جماح التضخم. ورغم أن هذه السياسة ضرورية للسيطرة على الأسعار، إلا أنها أدت إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض للشركات والأفراد، مما أثر سلباً على الاستثمار والإنفاق الاستهلاكي، وبالتالي تباطؤ النمو الاقتصادي العام.
العوامل المساهمة في ارتفاع البطالة والتحديات القطاعية
تساهم عدة عوامل هيكلية واقتصادية في هذا الارتفاع المقلق في معدلات البطالة. فبالإضافة إلى الضغوط الاقتصادية الكلية، تواجه بعض القطاعات تحديات خاصة. على سبيل المثال، تأثر قطاع البناء والعقارات بشكل كبير بارتفاع تكاليف الاقتراض وتراجع الطلب على المساكن، مما أدى إلى تباطؤ المشاريع وتسريح العمال. كما أن التضخم المستمر يقلل من القوة الشرائية للمستهلكين، مما يؤثر على قطاعات التجزئة والخدمات التي تعتمد بشكل كبير على الإنفاق المحلي.
علاوة على ذلك، تلعب التغيرات الديموغرافية وتدفقات الهجرة دوراً في ديناميكيات سوق العمل. فبينما يمثل الوافدون الجدد قوة عاملة محتملة، يواجهون أحياناً صعوبات في الاندماج السريع في سوق العمل السويدي الذي يتطلب مهارات لغوية ومهنية محددة. هذه الفجوة بين المهارات المتاحة وتلك المطلوبة في سوق العمل، بالإضافة إلى التحديات الهيكلية في بعض الصناعات، تضع ضغوطاً إضافية على قدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل كافية لجميع الباحثين عنها، خاصة الشباب الذين يفتقرون إلى الخبرة.
الأهمية والتأثير المتوقع: محلياً، إقليمياً، ودولياً
إن ارتفاع معدلات البطالة له تداعيات خطيرة على المستوى المحلي، حيث يؤثر مباشرة على القوة الشرائية للأسر السويدية، مما قد يؤدي إلى تباطؤ حاد في الإنفاق الاستهلاكي ويؤثر سلباً على النمو الاقتصادي العام. كما يضع ضغطاً إضافياً على نظام الرعاية الاجتماعية وميزانية الدولة، التي قد تضطر لزيادة الإنفاق على إعانات البطالة وبرامج الدعم، في الوقت الذي تتراجع فيه الإيرادات الضريبية. يمكن أن يؤدي استمرار البطالة المرتفعة، خاصة بين الشباب، إلى تفاقم مشكلات عدم المساواة الاجتماعية وتآكل الثقة في النموذج الاقتصادي السويدي.
على الصعيد الإقليمي، قد تعكس هذه الأرقام اتجاهاً أوسع في منطقة الشمال الأوروبي أو حتى في الاتحاد الأوروبي، حيث تواجه العديد من الدول تحديات اقتصادية مماثلة. يمكن أن يؤثر ضعف الاقتصاد السويدي على الشركاء التجاريين ويقلل من ثقة المستثمرين في المنطقة، نظراً لمكانة السويد كقوة اقتصادية وتكنولوجية رائدة. فالسويد ليست مجرد سوق محلي، بل هي مركز للابتكار والتصدير، وأي تباطؤ فيها يمكن أن يكون له تداعيات على سلاسل التوريد والأسواق الأوروبية الأوسع.
دولياً، يمكن أن يؤثر استمرار ارتفاع البطالة في السويد على صورتها كدولة ذات اقتصاد مستقر ومزدهر. قد يؤدي ذلك إلى تراجع في الاستثمار الأجنبي المباشر وتأثير سلبي على مكانتها التنافسية العالمية. إن قدرة السويد على استقطاب المواهب والاستثمارات تعتمد بشكل كبير على استقرار سوق العمل لديها وجاذبيتها الاقتصادية العامة.
الاستجابة السياسية والتوقعات المستقبلية
تتطلب هذه التطورات استجابة سريعة ومنسقة من الحكومة والبنك المركزي. فبينما يركز البنك المركزي على مكافحة التضخم، قد تحتاج الحكومة إلى تنفيذ سياسات لدعم سوق العمل، مثل برامج التدريب المهني المكثفة، وحوافز التوظيف للشركات الصغيرة والمتوسطة، وتسهيل اندماج الفئات الأكثر تضرراً، بما في ذلك الشباب والوافدون الجدد. كما يمكن النظر في استثمارات في البنية التحتية الخضراء والتحول الرقمي لخلق فرص عمل جديدة ومستدامة.
إن استعادة الثقة في الاقتصاد السويدي وتحقيق الاستقرار في سوق العمل سيكونان أولوية قصوى لضمان استمرار رفاهية المجتمع السويدي ومكانته الاقتصادية على الساحة الدولية. التحدي يكمن في إيجاد التوازن الصحيح بين السياسات النقدية التي تكافح التضخم والسياسات المالية التي تدعم النمو والتوظيف، مع الأخذ في الاعتبار التحديات الهيكلية طويلة الأجل.


