وجه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد رسالة سياسية مباشرة حول مياه نهر النيل ومساعي بلاده للوصول إلى البحر، مؤكداً أن التنمية الإثيوبية تقوم على مبادئ العدالة والتكامل الإقليمي، ولا تنطوي على أطماع جغرافية أو نوايا توسعية. جاءت هذه الرسالة في سياق التوترات المستمرة حول سد النهضة الإثيوبي الكبير (GERD)، حيث دعا إلى تحويل النيل من ساحة للتنازع إلى منارة للتعاون والتنمية المشتركة.
وفي بيان باللغة العربية نشره على حسابه الرسمي في منصة «إكس» بمناسبة حلول شهر رمضان، قال آبي أحمد: “النيل العظيم هبة إلهية يجب أن يرتوي منه الجميع بالعدل والمساواة”. وأضاف أن استثمار إثيوبيا لمواردها المائية هو حق سيادي لمشروع يهدف إلى انتشال ملايين المواطنين من الفقر وتعزيز أمن الطاقة والغذاء، دون المساس بحقوق أي طرف آخر. هذه التصريحات تعكس الرؤية الإثيوبية لمشروع السد كأداة للتنمية المستدامة والعدالة المائية.
السياق التاريخي وأهمية النيل
يُعد نهر النيل شريان الحياة لملايين البشر عبر إحدى عشرة دولة حوض النيل، ويحمل أهمية تاريخية وحضارية عميقة، خاصة لدول المصب مثل مصر والسودان، التي اعتمدت حضاراتها بشكل شبه كامل على مياهه. لطالما كانت إدارة مياه النيل موضوعاً حساساً، حيث استندت الاتفاقيات التاريخية، مثل اتفاقيتي 1929 و1959، إلى منح حصص كبيرة وحقوق فيتو لمصر والسودان، وهي اتفاقيات لم تكن دول المنبع، ومنها إثيوبيا، طرفاً فيها ولم تعترف بها. هذا السياق التاريخي يشكل الخلفية المعقدة للنزاع الحالي حول سد النهضة.
سد النهضة: مشروع تنموي وطموحات إقليمية
يقع سد النهضة الإثيوبي الكبير على النيل الأزرق، الرافد الرئيسي لنهر النيل، ويُعد مشروعاً ضخماً لتوليد الطاقة الكهرومائية. منذ بدء إنشائه في عام 2011، تراه إثيوبيا حجر الزاوية في خططها التنموية، ويهدف إلى توفير الكهرباء لملايين الإثيوبيين الذين يفتقرون إليها، وتحويل البلاد إلى مركز إقليمي للطاقة. من وجهة نظر أديس أبابا، يمثل السد حقاً سيادياً في استغلال مواردها الطبيعية لمكافحة الفقر وتحقيق النمو الاقتصادي، بما يتماشى مع مبادئ القانون الدولي للاستخدام العادل والمعقول للأنهار العابرة للحدود.
مخاوف دول المصب والجهود الدبلوماسية
أوضح آبي أحمد أن سد النهضة الإثيوبي يعمل على إنتاج الطاقة الكهربائية وتصديرها لدول الجوار، ليكون منصة للازدهار الإقليمي. وشدد على أن بلاده لا تسعى لفرض واقع أحادي، بل تدعو إلى نموذج إقليمي لتقاسم المنافع وتحويل النيل إلى شريان حياة يربط القلوب قبل الحقوق. ومع ذلك، تظل دول المصب، خاصة مصر والسودان، تعبر عن مخاوف عميقة بشأن تأثير السد على حصصها المائية التاريخية، وسرعة ملء الخزان، وقواعد التشغيل طويلة الأمد، مما يثير قلقاً بالغاً بشأن أمنها المائي والغذائي.
وقد تدخلت الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب للوساطة بين مصر وإثيوبيا بشأن مياه النيل، بهدف التوصل إلى اتفاق مسؤول ونهائي لتقاسم مياه النهر. ورغم هذه الجهود المكثفة، لم يتم التوصل إلى اتفاق شامل وملزم قانونياً يحظى بقبول جميع الأطراف. ومنذ ذلك الحين، تولى الاتحاد الأفريقي دوراً قيادياً في تسهيل المفاوضات، مما يؤكد الأهمية الإقليمية للقضية. إن حل هذا النزاع يحمل تداعيات هائلة، ليس فقط للدول الثلاث الرئيسية، بل للاستقرار والتكامل الاقتصادي لمنطقة القرن الأفريقي وحوض النيل بأكمله.
دعوة للسلام والتعايش
اختتم آبي أحمد رسالته بالتأكيد على أن إثيوبيا تظل “منارة للتعايش ويداً ممدودة للسلام”، مؤكداً أن النيل العظيم يجب أن يكون منصة للتعاون والتنمية المشتركة لا ساحة للتنازع السياسي أو الإضرار بجيرانها. هذه الرؤية تؤكد الرغبة في تجاوز الخلافات التاريخية وبناء مستقبل يكون فيه النيل قوة موحدة، تعزز المنفعة المتبادلة والنمو المستدام لجميع دول حوض النهر.


