تتجه الأنظار في الأوساط السياسية والاقتصادية الأوروبية نحو مستقبل قيادة البنك المركزي الأوروبي (ECB)، حيث تشير التوقعات إلى تسريع محتمل لعملية اختيار خليفة الرئيسة الحالية، كريستين لاغارد. يأتي هذا التوجه، الذي أوردته وكالة بلومبيرغ، مدفوعًا بمخاوف من تداعيات الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2027، وتحديدًا احتمال وصول رئيس فرنسي من اليمين المتطرف إلى سدة الحكم، مما قد يعقد عملية التوافق الأوروبي على هذا المنصب الحيوي.
يُعد البنك المركزي الأوروبي أحد الركائز الأساسية للاتحاد الأوروبي، فهو المسؤول عن السياسة النقدية لمنطقة اليورو التي تضم 20 دولة، وهدفه الأساسي هو الحفاظ على استقرار الأسعار. تولت كريستين لاغارد رئاسة البنك في نوفمبر 2019، خلفًا لماريو دراغي، في فترة اتسمت بتحديات اقتصادية غير مسبوقة. فقد قادت البنك خلال جائحة كوفيد-19، التي استدعت استجابة نقدية ضخمة لدعم الاقتصادات، ثم واجهت موجة تضخم غير مسبوقة مدفوعة بأزمة الطاقة والحرب في أوكرانيا، مما أجبرها على اتخاذ قرارات جريئة برفع أسعار الفائدة بشكل متتالٍ. قبل توليها هذا المنصب، كانت لاغارد المديرة العامة لصندوق النقد الدولي من يوليو 2011 إلى نوفمبر 2019، مما أكسبها خبرة واسعة في إدارة الأزمات المالية العالمية.
من المقرر أن تنتهي ولاية لاغارد التي تستمر ثماني سنوات في أكتوبر 2025. تقليديًا، يتم حسم قرار اختيار الرئيس الجديد للبنك المركزي الأوروبي خلال فصل الصيف الذي يسبق انتهاء الولاية، لضمان انتقال سلس للقيادة. ومع ذلك، فإن المشهد السياسي الفرنسي المتغير يلقي بظلاله على هذا الجدول الزمني المعتاد. فمع تزايد شعبية أحزاب اليمين المتطرف، مثل التجمع الوطني بزعامة مارين لوبان أو جوردان بارديلا، في استطلاعات الرأي الفرنسية قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل 2027، يخشى القادة الأوروبيون من أن يؤدي تأخير عملية الاختيار إلى الاضطرار للتعامل مع رئيس فرنسي قد تكون لديه رؤى اقتصادية وسياسية تتعارض مع الإجماع الأوروبي، مما قد يعرقل التوصل إلى توافق بشأن مرشح مناسب.
إن اختيار رئيس البنك المركزي الأوروبي ليس مجرد قرار إداري، بل هو قرار سياسي واقتصادي ذو أبعاد استراتيجية. على الصعيد المحلي والإقليمي (منطقة اليورو)، يؤثر هذا الاختيار بشكل مباشر على استقرار العملة الأوروبية الموحدة (اليورو)، وعلى سياسات أسعار الفائدة التي تحدد تكلفة الاقتراض للشركات والأفراد، وبالتالي تؤثر على النمو الاقتصادي ومستويات التوظيف. إن وجود قيادة قوية ومستقرة للبنك المركزي الأوروبي أمر حيوي للحفاظ على ثقة الأسواق والمستثمرين في منطقة اليورو. أما على الصعيد الدولي، فإن البنك المركزي الأوروبي لاعب رئيسي في الاقتصاد العالمي، وتؤثر قراراته على الأسواق المالية العالمية وتفاعلاته مع البنوك المركزية الكبرى الأخرى مثل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وبنك إنجلترا. أي اضطراب أو عدم يقين بشأن قيادته يمكن أن يرسل موجات من عدم الاستقرار عبر الأسواق العالمية.
لذلك، فإن تسريع عملية اختيار خليفة لاغارد يعكس رغبة القادة الأوروبيين في تحصين البنك المركزي الأوروبي من التقلبات السياسية المحتملة، وضمان استمرارية استقلاليته وقدرته على اتخاذ قرارات حاسمة بعيدًا عن الضغوط السياسية. هذا القرار الاستباقي يهدف إلى تجنب سيناريو قد يؤدي فيه الجمود السياسي إلى إضعاف إحدى أهم المؤسسات الاقتصادية في أوروبا، في وقت تحتاج فيه القارة إلى قيادة اقتصادية حكيمة وموحدة أكثر من أي وقت مضى.


