spot_img

ذات صلة

أسعار النحاس تقفز لـ 12,752.5 دولار: ما الذي يدفع هذا الارتفاع؟

شهدت أسعار النحاس العالمية ارتفاعاً ملحوظاً خلال تعاملات اليوم، لتصل إلى 12,752.5 دولار للطن الواحد، وذلك في انتعاش قوي بعد تراجعها بنسبة 1.8% أمس. يأتي هذا الارتفاع في ظل ديناميكيات سوقية معقدة، حيث تضغط مستويات المخزونات المرتفعة للمعدن الأحمر وقوة الدولار الأمريكي على الأسعار، بينما تشير التوقعات المستقبلية إلى طلب متزايد.

ففي بورصة لندن للمعادن (LME)، ارتفعت أسعار العقود الآجلة للنحاس الأكثر نشاطاً بنسبة 1.05%، لتستقر عند 12,752.5 دولار للطن. وقد جاء هذا الارتفاع ليُعوض جزءاً من الخسائر التي مُني بها المعدن أمس. وتزامنت هذه التداولات مع ضعف النشاط في الأسواق الآسيوية، نتيجة لإغلاق بورصة شنغهاي للعقود الآجلة بمناسبة عطلة رأس السنة القمرية الجديدة، والتي تستمر حتى الثالث والعشرين من فبراير الجاري، مما قد يؤثر على حجم التداولات العالمية.

يُعرف النحاس بلقب “الدكتور نحاس” (Dr. Copper) في الأوساط الاقتصادية، نظراً لحساسيته الشديدة تجاه صحة الاقتصاد العالمي. فارتفاع أسعاره غالباً ما يُنظر إليه كمؤشر على نمو اقتصادي قوي، بينما يُشير تراجعه إلى تباطؤ محتمل. تاريخياً، لعب النحاس دوراً محورياً في الثورات الصناعية، ولا يزال عنصراً أساسياً في البنية التحتية الحديثة، من الكابلات الكهربائية وأنظمة السباكة إلى مكونات السيارات والإلكترونيات. تقلبات أسعاره تعكس بشكل مباشر دورات النمو الاقتصادي العالمية وتوقعات الطلب الصناعي.

على صعيد المخزونات، فقد شهدت مستودعات بورصة لندن للمعادن المعتمدة زيادة في مخزونات النحاس بمقدار 9,775 طناً، لتصل إلى 221.63 ألف طن حتى أمس، وهو أعلى مستوى لها منذ 11 شهراً. عادةً ما تشير المخزونات المرتفعة إلى وفرة في المعروض، مما قد يضغط على الأسعار نحو الانخفاض. ومع ذلك، فإن الارتفاع الحالي يشير إلى أن عوامل أخرى، مثل التوقعات الإيجابية للطلب المستقبلي، قد تكون أقوى من ضغوط المعروض الحالية.

تُعد التحولات العالمية نحو الطاقة النظيفة والتنمية المستدامة محركاً رئيسياً للطلب المستقبلي على النحاس. فهو مكون لا غنى عنه في صناعة السيارات الكهربائية، وبطاريات الطاقة المتجددة، وألواح الطاقة الشمسية، وتوربينات الرياح، وشبكات الطاقة الذكية. هذه القطاعات تشهد نمواً هائلاً على مستوى العالم، مما يضمن طلباً قوياً ومستداماً على النحاس لسنوات قادمة. هذا الدور المحوري يمنح النحاس أهمية استراتيجية تتجاوز مجرد كونه سلعة صناعية.

وفي تأكيد على هذه التوقعات الإيجابية، قام محللو “جولدمان ساكس” برفع توقعاتهم لمتوسط أسعار النحاس بنسبة 19%، ليصل إلى 11,200 دولار للطن في الربع الرابع من العام الحالي. ويعزى هذا التفاؤل جزئياً إلى خطط الولايات المتحدة لإنشاء مخزون استراتيجي من المعادن الحيوية، وهو ما سيزيد من الطلب على النحاس بشكل كبير. مثل هذه المبادرات الحكومية تؤكد الأهمية الجيوسياسية للنحاس وتضمن استمرار الطلب عليه، مما يوفر دعماً قوياً لأسعاره في الأمدين المتوسط والطويل.

إن تقلبات أسعار النحاس لها تأثيرات واسعة النطاق على الاقتصاد العالمي. فارتفاعها يزيد من تكاليف التصنيع في قطاعات مثل البناء، والإلكترونيات، والسيارات، مما قد يؤثر على أسعار المستهلكين ومعدلات التضخم. وعلى الصعيد الآخر، يمكن أن يحفز ارتفاع الأسعار الاستثمار في استكشاف وتعدين النحاس، مما قد يؤدي إلى زيادة المعروض في المستقبل. وبالتالي، فإن مراقبة أسعار النحاس ليست مجرد اهتمام للمستثمرين في السلع، بل هي مؤشر حيوي للصحة الاقتصادية العالمية والتحولات الصناعية الكبرى.

spot_imgspot_img