كشفت تقارير حديثة صادرة عن موقع «أكسيوس» الإخباري عن تطور دبلوماسي لافت وغير معلن، يتمثل في إجراء وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، محادثات سرية مع راؤول جييرمو رودريغيز كاسترو، حفيد الزعيم الكوبي راؤول كاسترو. تأتي هذه المحادثات في وقت تشهد فيه العلاقات الأمريكية الكوبية توتراً متصاعداً، وتكثف فيه الولايات المتحدة ضغوطها على الجزيرة الشيوعية.
خلفية تاريخية وعلاقات متوترة:
لطالما اتسمت العلاقات بين الولايات المتحدة وكوبا بالتعقيد والتوتر منذ ثورة عام 1959 التي قادها فيدل كاسترو. عقود من الحصار الاقتصادي الأمريكي، الذي بدأ في أوائل الستينيات، أثرت بشكل عميق على الاقتصاد الكوبي وحياة مواطنيها. شهدت فترة إدارة الرئيس باراك أوباما انفتاحاً تاريخياً ومحاولة لتطبيع العلاقات، بما في ذلك استئناف العلاقات الدبلوماسية ورفع بعض القيود. إلا أن هذه الجهود تراجعت بشكل كبير مع وصول إدارة دونالد ترامب، التي أعادت فرض وتكثيف العقوبات، مبررة ذلك بانتهاكات حقوق الإنسان ودعم كوبا لأنظمة مثل نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا. هذه الخلفية الطويلة من العداء والضغط تشكل الإطار الذي تجري فيه هذه المحادثات السرية، مما يضفي عليها أهمية استراتيجية خاصة.
محادثات تتجاوز القنوات الرسمية:
وفقاً لثلاثة مصادر مطلعة تحدثت لموقع «أكسيوس»، فإن هذه المحادثات بين روبيو وراؤول جييرمو رودريغيز كاسترو تتجاوز القنوات الرسمية للحكومة الكوبية. يعكس هذا النهج اعتقاد إدارة ترامب بأن الزعيم الثوري البالغ من العمر 94 عاماً، راؤول كاسترو، لا يزال هو صانع القرار الحقيقي في الجزيرة، على الرغم من تسليمه الرئاسة لميغيل دياز-كانيل. ترى واشنطن أن المسؤولين الكوبيين الحاليين، بمن فيهم الرئيس دياز-كانيل، هم «بيروقراطيون حزبيون» غير قادرين على تصور أو التفاوض بشأن تغيير حقيقي وملموس. هذا التقييم يدفع الإدارة الأمريكية للبحث عن قنوات اتصال بديلة قد تكون أكثر مرونة أو تأثيراً في مستقبل كوبا.
نقاشات حول المستقبل وتطلعات جيل جديد:
وصف مسؤول رفيع في إدارة ترامب هذه اللقاءات بأنها ليست مفاوضات بالمعنى التقليدي، بل «نقاشات حول المستقبل». يرى روبيو وفريقه أن حفيد كاسترو البالغ من العمر 41 عاماً، والدائرة المحيطة به، يمثلون شريحة من الكوبيين الأصغر سناً والأكثر انفتاحاً. هؤلاء الشباب، بحسب التقييم الأمريكي، يرون أن الشيوعية الثورية قد فشلت ويعتقدون بوجود قيمة في التقارب مع الولايات المتحدة. هذا التوجه يشير إلى محاولة أمريكية لاستكشاف إمكانيات التغيير من الداخل، من خلال شخصيات قد تكون لديها القدرة على التأثير في المشهد السياسي الكوبي بعد رحيل الجيل الثوري الأول.
موقف أمريكي حازم وأزمة إنسانية متفاقمة:
الموقف الرسمي للحكومة الأمريكية واضح: «يجب أن يرحل النظام». ومع ذلك، فإن تفاصيل كيفية تحقيق ذلك متروكة للرئيس ترامب، الذي لم يتخذ قراراً نهائياً بعد. تتزامن هذه المحادثات مع تفاقم الأزمات في كوبا، حيث تشير التقارير إلى أن الحكومة الشمولية أقرب إلى الانهيار من أي وقت مضى، وأن البلاد تقف على حافة أزمة إنسانية حادة. بعد 67 عاماً من العقوبات الأمريكية وسوء الإدارة الداخلية، تعاني كوبا من تعطل شبكة الكهرباء، وتقليص المستشفيات للعمليات الجراحية، وتزايد نقص المواد الغذائية والوقود، وتراجع السياحة، وتراكم القمامة في الشوارع. هذه الظروف المعيشية الصعبة تزيد من الضغط على النظام وتجعل الحاجة إلى التغيير أكثر إلحاحاً.
تأثير الأحداث الإقليمية:
تفاقمت الأزمات في كوبا بشكل خاص بعد الأحداث الأخيرة في فنزويلا. فبعد أمر ترامب في 3 يناير/كانون الثاني بالهجوم الذي أدى إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الذي كان يزود كوبا بـ«نفط شبه مجاني»، فقدت كوبا شرياناً اقتصادياً حيوياً. كما هدد ترامب في 29 يناير/كانون الثاني بفرض عقوبات على المكسيك، التي تُعد المورد النفطي الكبير الآخر لكوبا. هذه الضغوط الإقليمية، التي تستهدف حلفاء كوبا الرئيسيين، تهدف إلى عزل النظام الكوبي وزيادة الضغط عليه للتغيير. وقد كشفت المصادر أن روبيو ومسؤولين آخرين في إدارة ترامب كانوا على اتصال بنخب فنزويلية قبل اعتقال مادورو، في استراتيجية مشابهة لما يحدث الآن مع كوبا، مما يشير إلى نمط معين في التعامل الأمريكي مع الأنظمة التي تعتبرها واشنطن معادية.
تداعيات محتملة:
إن هذه المحادثات السرية، وإن كانت توصف بأنها مجرد «نقاشات حول المستقبل»، تحمل في طياتها تداعيات إقليمية ودولية محتملة. فإذا ما نجحت واشنطن في إيجاد قناة تواصل فعالة مع جيل جديد من القيادات الكوبية، فقد يمهد ذلك الطريق لتحول سياسي في الجزيرة له تأثيرات كبيرة على الاستقرار في منطقة الكاريبي والعلاقات الأمريكية اللاتينية. كما أن انهيار النظام الكوبي، أو حتى تحوله، سيغير الديناميكيات الجيوسياسية في المنطقة، وقد يؤدي إلى موجات هجرة جديدة أو فرص استثمارية. يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى استعداد هذا الجيل الجديد للتفاوض على تغييرات جوهرية، وحول قدرة إدارة ترامب على تحقيق أهدافها الدبلوماسية في ظل سياستها المتشددة.


