تحذيرات أوروبية متتالية لمغادرة إيران
في خطوة تعكس حجم القلق المتزايد في المنطقة، دعت عدة دول أوروبية، من بينها ألمانيا والسويد وصربيا وبولندا، رعاياها إلى مغادرة الأراضي الإيرانية بشكل فوري. وتأتي هذه التحذيرات المتزامنة في ظل تقارير عن تحركات عسكرية أمريكية واسعة في الشرق الأوسط، وتلويح واشنطن بخيار “الضربات المحدودة” لدفع طهران نحو تقديم تنازلات في ملفها النووي.
وأصدرت السفارة الألمانية في طهران بياناً رسمياً حذرت فيه من “احتمال تدهور الأوضاع واندلاع صراع مسلح”، مؤكدة أن وزارة الخارجية لن تكون قادرة على تقديم الدعم أو تنفيذ عمليات إجلاء في حال انفجار الموقف عسكرياً. وعلى نفس المنوال، شددت وزيرة الخارجية السويدية على ضرورة استغلال الرحلات الجوية والمعابر البرية المتاحة للمغادرة دون إبطاء، بينما بررت صربيا دعوتها بـ”خطر تدهور الوضع الأمني الوشيك”.
جذور الأزمة: من الاتفاق النووي إلى حافة الهاوية
تعود جذور التوتر الحالي إلى سنوات من الخلاف حول البرنامج النووي الإيراني. ففي عام 2015، تم التوصل إلى “خطة العمل الشاملة المشتركة” (الاتفاق النووي) بين إيران ومجموعة دول (5+1)، والتي قضت برفع العقوبات الدولية عن طهران مقابل تقييد أنشطتها النووية. لكن في عام 2018، أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق بشكل أحادي، وأعاد فرض عقوبات اقتصادية قاسية ضمن سياسة “الضغط الأقصى”، بهدف إجبار إيران على التفاوض على اتفاق جديد بشروط أمريكية. رداً على ذلك، بدأت إيران بالتراجع تدريجياً عن التزاماتها النووية ورفعت مستويات تخصيب اليورانيوم، مما زاد من مخاوف القوى الغربية وإسرائيل من اقترابها من امتلاك القدرة على صنع سلاح نووي.
تداعيات محتملة على استقرار المنطقة والاقتصاد العالمي
إن أي مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران لن تقتصر تداعياتها على البلدين فقط، بل من المتوقع أن تمتد لزعزعة استقرار منطقة الشرق الأوسط بأكملها. فإيران تمتلك شبكة من الحلفاء والوكلاء في دول مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن، مما قد يفتح جبهات متعددة للصراع. علاوة على ذلك، يمر عبر مضيق هرمز، الذي تسيطر عليه إيران، حوالي خُمس إمدادات النفط العالمية، وأي إغلاق للمضيق أو اضطراب في حركة الملاحة به سيؤدي إلى ارتفاع هائل في أسعار النفط العالمية، وهو ما سينعكس سلباً على الاقتصاد العالمي الذي يعاني أصلاً من ضغوط تضخمية.
مواقف متباينة بين التصعيد والدبلوماسية
في خضم هذه التطورات، حاول مسؤول في البيت الأبيض التخفيف من حدة التكهنات، مؤكداً أن القوات الأمريكية لا تجلي أياً من جنودها تحسباً لمواجهة، وأن التحركات الأخيرة تندرج في إطار “تدريبات عسكرية ومهام مختلفة”. من جانبها، تسعى إيران لنزع فتيل الأزمة عبر القنوات الدبلوماسية، حيث أعلن وزير خارجيتها عن إعداد مسودة اتفاق نووي لتقديمها لواشنطن عبر الوسيط العماني، نافياً في الوقت ذاته قبول طهران بأي شروط مسبقة مثل “تصفير التخصيب” الذي تعتبره “خطاً أحمر”. ورغم هذه المساعي، أفادت صحيفة “وول ستريت جورنال” بأن الإدارة الأمريكية قد تنتهج استراتيجية “التصعيد التدريجي” عبر ضربات محدودة لإجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط واشنطن.


