
تعتبر مصر عبر تاريخها الطويل «دولة التلاوة» الأولى في العالم الإسلامي، حيث أنجبت حناجر ذهبية صدحت بآيات الذكر الحكيم فخشعت لها القلوب في مشارق الأرض ومغاربها. وفي هذا السياق العريق، يُعد الشيخ المقرئ السيد سعيد واحداً من أبرز أمناء هذه المدرسة القرآنية العظيمة، ممن وهبهم الله جمال الصوت وجلال الحضور، ليقضي حياته خادماً لكتاب الله، تاركاً بصمة لا تُمحى في وجدان المستمعين.
مصداقاً لقوله تعالى: (وإذا قُرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون)، كان صوت الشيخ السيد سعيد مدعاة للإنصات والتدبر، حيث تميزت تلاوته بالجمع بين دقة الأحكام وعذوبة النغم، مما جعله مدرسة مستقلة بذاتها. وقد وافته المنيّة في شهر مايو الماضي، ليسدل الستار على مسيرة عطاء امتدت لنحو 70 عاماً، قضاها متنقلاً بين محاريب المساجد ومنصات التلاوة، حاملاً لواء القرآن من قرى الدقهلية إلى عواصم العالم.
النشأة والتكوين في رحاب الدقهلية
وُلد الشيخ السيد سعيد في بيئة ريفية محبة للقرآن، وتحديداً في قرية «ميت مرجا سلسيل» بمركز الجمالية في محافظة الدقهلية، وذلك يوم الأحد 7 مارس 1943. وكعادة عمالقة القراء في مصر، بدأ رحلته مع الكتاب مبكراً، حيث أتم حفظ القرآن الكريم كاملاً وهو لم يتجاوز السابعة من عمره، وهو إنجاز يعكس نبوغه المبكر واهتمام أسرته بتنشئته تنشئة دينية قويمة.
بدأ الشيخ القراءة والظهور للجمهور حين كان طالباً بالمعهد الأزهري في «كفر سليمان» بمحافظة دمياط. وسرعان ما ذاع صيته وتجاوزت شهرته حدود قريته لتملأ أرجاء محافظة الدقهلية، التي تُعرف بأنها ولادة للمواهب القرآنية الفذة.
سفير القرآن حول العالم
لم يكتفِ الشيخ السيد سعيد بالدعوة والتلاوة داخل مصر، بل كان سفيراً للقوى الناعمة المصرية، حيث طاف بصوته العذب العديد من دول العالم، حاملاً رسالة السلام والرحمة. وقد شملت رحلاته القرآنية دولاً عربية مثل الإمارات العربية المتحدة ولبنان، وامتدت لتشمل دولاً إسلامية وغير إسلامية مثل إيران، وجنوب أفريقيا، وسويسرا. في هذه الدول، كان لصوته أثر بالغ في ترقيق القلوب وجذب غير الناطقين بالعربية للاستماع إلى كلام الله، مما يؤكد عالمية الرسالة المحمدية.
الرحيل والوداع المهيب
بعد رحلة طويلة من العطاء، صعدت روحه إلى بارئها يوم السبت 24 مايو 2025، إثر وعكة صحية ألمت به نتيجة مضاعفات أمراض القلب والكلى. وقد شيعت جنازته عقب صلاة الظهر من المسجد الكبير بمسقط رأسه في قرية «ميت مرجا» بمحافظة الدقهلية، حيث ووري الثرى في مقابر العائلة، وسط حضور مهيب من محبيه وتلامذته وأهل القرآن، الذين جاؤوا لوداع علم من أعلام التلاوة، تاركاً خلفه إرثاً صوتياً سيظل يتردد صداه عبر الأجيال.


