
تشهد صناعة الإعلام في العصر الحديث تحولات جذرية متسارعة، حيث أصبحت التقنيات الحديثة ركيزة أساسية لضمان البقاء والتميز. وفي هذا السياق، تبرز صحيفة عكاظ والذكاء الاصطناعي كنموذج رائد يعكس التطور الملحوظ في المشهد الإعلامي السعودي والعربي. لم يعد الذكاء الاصطناعي في مؤسسة «عكاظ» للصحافة والنشر مجرد فكرة مستقبلية أو خيال علمي يُناقش في المؤتمرات، بل تحول إلى واقع ملموس وأداة عملية تنبض في قلب العمل الصحفي اليومي.
تاريخياً، تُعد صحيفة «عكاظ»، التي تأسست في عام 1960م، من أعرق الصحف في المملكة العربية السعودية والخليج العربي. طوال مسيرتها الممتدة لعقود، حرصت الصحيفة على مواكبة أحدث التطورات التكنولوجية، بدءاً من الانتقال من الطباعة التقليدية إلى النشر الإلكتروني، وصولاً إلى تبني تقنيات الثورة الصناعية الرابعة. ويأتي هذا التوجه الاستراتيجي الحالي بدعم وتوجيه مباشر من رئيس مجلس الإدارة الأستاذ عبدالله صالح كامل، وبتمكين ومتابعة حثيثة من رئيس التحرير الأستاذ جميل الذيابي، بهدف تطوير أساليب صناعة المحتوى، وإدارة المنصات الرقمية بكفاءة عالية، وقراءة تفاعل الجمهور بدقة متناهية.
تطبيقات الذكاء الاصطناعي في غرف أخبار عكاظ
تعتمد الصحيفة اليوم على حزمة من الأدوات التقنية المتقدمة التي أحدثت ثورة في سير العمل، ومن أبرز هذه التطبيقات:
- رصد وتحليل الأخبار: استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي في تتبع تدفق الأخبار وتحليل البيانات الضخمة الواردة من وكالات الأنباء والمصادر المتعددة، مما يمنح غرفة الأخبار قدرة استثنائية على قراءة المشهد الإعلامي بسرعة فائقة ودقة متناهية.
- تمكين المحررين: توفير أدوات ذكية تساعد الصحفيين على التعامل مع كميات هائلة من المعلومات في أزمنة قياسية، وتحويلها إلى محتوى صحفي رصين، واضح، ومهني.
- دعم صناعة المحتوى: توظيف التقنيات الحديثة في تحليل النصوص، واقتراح العناوين الجذابة المتوافقة مع محركات البحث، واستخلاص البيانات والإحصائيات المهمة من التقارير والدراسات المعقدة.
- قياس الأداء وتحليل الجمهور: الاستفادة من تقنيات تعلم الآلة في قياس مؤشرات الأداء الإعلامي، وتحليل تفاعل القراء مع المواد المنشورة، لفهم اهتمامات الجمهور وتوقع اتجاهاته المستقبلية.
إحياء التراث الصحفي وتطوير المنصات
لم يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على الأخبار اليومية، بل امتد ليشمل مركز المعلومات الرقمية، وهو منصة متخصصة تقدم خدمات متقدمة في الرصد والتحليل الإعلامي لقطاع الأعمال. تعتمد هذه المنصة على أدوات تقنية قادرة على قراءة البيانات، تحليل الاتجاهات الإعلامية، ورصد القضايا الأكثر تداولاً وحضوراً في الفضاء الرقمي.
علاوة على ذلك، تعمل المؤسسة على تطوير الاستفادة من أرشيفها التاريخي الضخم الذي يضم إصدارات «عكاظ» و«سعودي جازيت» عبر توظيف التقنيات الذكية لتحليل هذا الإرث الصحفي العريق، وإعادة فهرسته وتقديمه في صورة خدمات معرفية ومعلوماتية حديثة، مما يتيح للباحثين والأكاديميين الوصول إلى محتوى تاريخي موثق بأساليب رقمية متطورة.
كما تم دمج الذكاء الاصطناعي في الموقع الإلكتروني الجديد ونظام النشر المطوّر (NewsPublish)، وذلك لرفع كفاءة الإنتاج الصحفي، تسريع دورة النشر، وتحليل سلوك المستخدمين لتقديم تجربة تصفح مخصصة وفريدة.
الأهمية والتأثير المتوقع للتحول الرقمي
على المستوى المحلي، ينسجم هذا التحول الرقمي في «عكاظ» بشكل وثيق مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي تولي اهتماماً بالغاً بتعزيز الاقتصاد الرقمي وتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي في شتى القطاعات. أما على الصعيد الإقليمي، فإن هذا النموذج يضع معياراً جديداً للصحافة العربية، محفزاً المؤسسات الإعلامية الأخرى على اللحاق بركب التطور التقني. ودولياً، يعزز هذا التوجه من مصداقية الإعلام السعودي وقدرته على التواجد والمنافسة في الساحة العالمية، خاصة في عصر تتزايد فيه التحديات المتعلقة بالأخبار الزائفة والمضللة.
وبهذه الخطوات الاستراتيجية المدروسة، تمضي «عكاظ» بثبات نحو ترسيخ نموذج إعلامي متطور ومستدام، يجمع ببراعة بين الخبرة الصحفية العريقة التي تراكمت عبر السنين، وأدوات الذكاء الاصطناعي المستقبلية، مما يفتح آفاقاً أوسع للابتكار والإبداع في صناعة الإعلام الرقمي.


