تتجه الإدارة الأمريكية نحو تصعيد استراتيجي جديد في الشرق الأوسط، حيث كشفت تقارير حديثة عن ملامح خطة ترمب لحماية هرمز وتوسيع التواجد العسكري الأمريكي في المنطقة عبر نشر آلاف الجنود. تأتي هذه التحركات في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وتحديداً في ذروة المواجهات التي تشمل الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. وتسعى واشنطن من خلال هذه التعزيزات إلى منح القيادة الأمريكية خيارات أوسع للتعامل مع مرحلة جديدة من الصراع الذي لا تلوح في أفقه أي بوادر لوقف إطلاق النار.
الجذور التاريخية للتوترات في الممرات المائية
لطالما شكلت الممرات المائية في الشرق الأوسط، وعلى رأسها مضيق هرمز، نقطة ارتكاز حيوية في السياسة الخارجية الأمريكية منذ عقود. تاريخياً، التزمت الولايات المتحدة بضمان حرية الملاحة في هذا المضيق الذي يمر عبره نحو خُمس استهلاك العالم من النفط. وقد شهدت المنطقة توترات متكررة، بدءاً من «حرب الناقلات» في ثمانينيات القرن الماضي خلال الحرب العراقية الإيرانية، وصولاً إلى التهديدات الإيرانية المتكررة بإغلاق المضيق رداً على العقوبات الاقتصادية. هذا السياق التاريخي يفسر الحساسية البالغة التي تتعامل بها واشنطن مع أي تهديد يمس أمن الملاحة، مما يجعل التحركات الحالية امتداداً لعقيدة أمريكية راسخة تهدف إلى منع أي قوى معادية من السيطرة على شرايين الطاقة العالمية.
خيارات حاسمة ضمن خطة ترمب لحماية هرمز
وفقاً لمصادر مطلعة لوكالة «رويترز»، تتضمن خطة ترمب لحماية هرمز عدة خيارات استراتيجية مطروحة على الطاولة. أبرز هذه الخيارات هو السيطرة على جزيرة «خارك» الإيرانية، والتي تُعد الشريان الحيوي لتصدير حوالي 90% من النفط الإيراني. ويرى خبراء عسكريون أن السيطرة على الجزيرة قد يكون خياراً أكثر فاعلية من تدميرها نظراً لأهميتها الاقتصادية، رغم المخاطر العالية المتمثلة في احتمالية استهداف القوات الأمريكية بالصواريخ الإيرانية.
بالإضافة إلى ذلك، تناقش الإدارة الأمريكية إمكانية إرسال قوات خاصة لتأمين مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب في إيران. ورغم أهمية هذه الخطوة لمنع طهران من امتلاك سلاح نووي نهائياً، إلا أن الخبراء يؤكدون أنها مهمة بالغة التعقيد ومحفوفة بالمخاطر حتى بالنسبة لقوات العمليات الخاصة. كما تدرس الإدارة نشر قوات على طول الخط الساحلي الإيراني لضمان مرور ناقلات النفط بأمان، بدلاً من الاكتفاء بالمواكبة الجوية والبحرية التقليدية.
التحركات العسكرية والمخاطر السياسية
على الصعيد الميداني، تتجاوز التحركات الأمريكية مجرد النقاشات؛ إذ من المقرر وصول «مجموعة جاهزة برمائية» إلى الشرق الأوسط قريباً، ترافقها وحدة استكشافية من مشاة البحرية تضم أكثر من 2000 فرد. وتأتي هذه التعزيزات لتعويض النقص بعد إرسال حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر فورد» إلى اليونان للصيانة إثر حريق على متنها.
ومع ذلك، يمثل أي تدخل بري، مهما كان محدوداً، مخاطرة سياسية كبرى للرئيس ترمب، الذي بنى حملته الانتخابية على وعود بإنهاء «الحروب الأبدية» وتجنب التورط في نزاعات الشرق الأوسط. ورغم مقتل 13 جندياً أمريكياً وإصابة نحو 200 آخرين منذ بدء العمليات العسكرية الأخيرة، لم يستبعد ترمب خيار «الأقدام على الأرض»، مع إبقاء كافة الخيارات متاحة لتحقيق أهداف عملية «الغضب الملحمي».
التداعيات الإقليمية والدولية للتحركات الأمريكية
تحمل هذه التطورات العسكرية تأثيرات عميقة تتجاوز النطاق المحلي لتشمل الساحتين الإقليمية والدولية. على المستوى الإقليمي، من شأن هذا التصعيد أن يعيد رسم موازين القوى، حيث تسعى واشنطن إلى شل قدرة «الوكلاء» على زعزعة استقرار المنطقة، وتدمير القدرات الصاروخية والبحرية الإيرانية. أما على المستوى الدولي، فإن تأمين مضيق هرمز يضمن استقرار أسواق الطاقة العالمية ويمنع حدوث صدمات اقتصادية قد تؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط وتأثر سلاسل الإمداد.
ورغم أن موقف ترمب السابق كان يميل إلى مطالبة الدول المستفيدة من المضيق بتحمل مسؤولية حمايته، إلا أن المعطيات الحالية تؤكد تغيراً في التكتيك. فقد نفذت الولايات المتحدة أكثر من 7800 ضربة ودمرت أكثر من 120 سفينة إيرانية وفقاً لأرقام القيادة المركزية الأمريكية التي تشرف على نحو 50 ألف جندي في المنطقة، مما يؤكد أن واشنطن لا تزال تعتبر أمن الملاحة جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي الاستراتيجي.


