قصة قصيدة السبيتار: من سرير المرض إلى آفاق الصحراء
تُعد قصيدة السبيتار للشاعر العلم الراحل عويضة بن حمزان، والتي مضى عليها أكثر من 70 عاماً، واحدة من النصوص النادرة التي جمعت بين صدق التجربة الإنسانية ووهج اللغة الأصيلة. فالقصيدة لا تُقرأ بوصفها نصاً شعرياً فحسب، بل بوصفها سيرة وجدانية، يتقاطع فيها ألم الجسد مع حنين الروح، وتتشكل فيها المعاناة على هيئة صور نابضة بالحياة. المرض بوصفه لحظة كشف، كتب الشاعر نصه في مدينة الطائف من داخل المستشفى أو “السبيتار” كما كان يُسمى في ذلك الوقت، والذي لم يكن الشاعر ينظر له باعتباره مكاناً للعلاج، بل بوصفه فضاءً للعزلة والانفصال عن العالم.
ومنذ الاستهلال، تتبدى هذه الحالة القلقة:
البارحة أمسيت ليلي بالسهر
قالي هواجست ثم انتوى قلبي بمضنونه
السهر هنا ليس عرضاً عابراً، بل صوت داخلي يوقظ الوجع، ويقيس المسافة من الطائف إلى نجران «مسقط رأس الشاعر»، ويفتح باب “الهوجاس”؛ أي التأمل العميق الذي يستدعي الحبيب ويستحضر الغائب.
السياق التاريخي: التحول من البادية إلى مؤسسات الطب الحديث
لفهم الأبعاد العميقة التي تحملها قصيدة السبيتار، يجب أن نعود إلى السياق التاريخي للجزيرة العربية قبل سبعة عقود. في منتصف القرن العشرين، كانت المملكة تشهد بدايات التحول نحو التحديث وتأسيس البنية التحتية الصحية والمؤسساتية. وكانت مدينة الطائف، بطبيعتها الجبلية وهوائها العليل، تمثل وجهة رئيسية للاستشفاء والعلاج الطبي المتقدم في ذلك الزمن. بالنسبة لإنسان البادية الذي اعتاد على الفضاء المفتوح والحرية المطلقة، كان الدخول إلى المستشفى يمثل صدمة حضارية ونفسية بالغة. الجسد الذي كان رمزاً للقوة والترحال والفروسية، أصبح فجأة مقيداً بين جدران بيضاء وتحت رحمة الأطباء، مما خلق حالة من الاغتراب المزدوج: اغتراب مكاني عن مرابع الصبا، واغتراب ثقافي عن نمط الحياة المألوف.
دلالة مصطلح “السبيتار” في الذاكرة الشعبية
قبل أن نبتعد في تفاصيل النص، نتوقف قليلاً عند مفردة (السبيتار) التي وظفها الشاعر بشكل رائع ومؤثر في النص وتعني المستشفى. هذه الكلمة كانت شائعة في الجزيرة العربية، أصلها من كلمة (هوسبيتال) بمعنى مستشفى بالإنجليزية، مع تجاهل الهاء وقلب اللام راء، لكنها تلاشت بعد دخول مصطلحات المؤسسات الحديثة نحو مستشفى ومستوصف وعيادة. يقول الشاعر ناصر العبود الفايز من أهل نفي:
طالبك تغني عن دخول (السبيتار)
العافية عندك، ولا عند راعيه
وسط السبيتار ما قلبي بمتشالي
والباب من دوني العسكر يصكونه
هنا يتحول المستشفى إلى سجن حقيقي؛ “العسكر” رمز للقيود، و”يصكونه” توكيد للإغلاق القسري، و”ما قلبي بمتشالي” تعبير عن عجز نفسي يوازي العجز الجسدي. إنها لوحة مكتملة للغربة، حيث يُحاصر الإنسان في جسده ومكانه.
الأهمية الثقافية وتأثير قصيدة السبيتار في الموروث الشعبي
تكتسب هذه القصيدة أهمية بالغة تتجاوز حدود المعاناة الشخصية لتصبح وثيقة تاريخية واجتماعية هامة. على المستوى المحلي والإقليمي، أثرت قصيدة السبيتار في الوجدان الشعبي الخليجي لأنها لامست وتراً حساساً يتمثل في الحنين إلى الجذور والتمسك بالهوية. لقد وثقت القصيدة مرحلة انتقالية دقيقة، مسجلةً ببراعة كيف تفاعل العقل البدوي مع معطيات العصر الحديث. كما امتد تأثيرها لتصبح مرجعاً للباحثين في الأدب الشعبي لدراسة مفردات تلك الحقبة، ولتؤكد أن الشعر النبطي لم يكن مجرد ترف فني، بل كان الملاذ النفسي الذي يتجاوز به الإنسان محنته ليحلق في سماء الذاكرة ويخلد سيرته للأجيال القادمة.
صراع الإرادة وصدمة البدوي أمام الطب
يواصل الشاعر عويضه بن حمزان قصيدته التي يبلغ فيها التوتر الداخلي ذروته، ويتحوّل الشاعر من راوٍ للمعاناة إلى كاشفٍ عن صراع الإرادة والوجدان:
ان جيت أبظهر فلا المظهار بشلالي
وان جيت أبجلس فقلبي كثرت شجونه
اللي ضرب في الهوى ما هو بمتشالي
واللي قعد عندهم قدهم يشوقونه
تكشف هذه الصورة عن صدمة الإنسان البدوي أمام الطب الحديث آنذاك؛ فالجسد الذي كان رمز القوة أصبح موضوعاً للتشريح، والإنسان الذي اعتاد الصحراء صار محاطاً بالأطباء، ومع ذلك، لا يفقد الشاعر إيمانه:
يالله أنا طالبك يا ربنا العالي
تعطي دواء ٍ ان التخاتر ما يسوونه
في هذا البيت تتجلى فلسفة بدوية عميقة تؤكد بأن الطب سبب، لكن الشفاء بيد الله.
الحنين إلى نجران ومضارب قبيلة يام
ينتقل الشاعر من ألم المرض إلى حلم الشفاء، لا لذاته فقط، بل للعودة إلى «مرابع الصبا»، والشفاء هنا ليس مجرد زوال المرض، بل استعادة الحياة الاجتماعية، والعودة إلى نجران مسقط رأسه ومضارب قبيلته آل منصور يام:
اروح بين الرفاقة كل عيالي
كل أبلجٍ في نهار الهوش يطرونه
اسلاحهم للعدو بارود واسلالي
وعدوهم في الملاقى تسهر عيونه
من عتمة الغرفة إلى فضاء القبيلة، كأن الشوق هنا لا يكتفي بالحنين، بل يعيد تشكيل العالم على هيئة حلم مكتمل. إنها ليست مجرد استعادة لأشخاص، بل استعادة لمنظومة حياة، قوامها الرفقة، والفروسية، والكرم.
الطبيعة كرسول للأشواق وفلسفة البقاء
ثم ينعطف الشاعر إلى نبرة روحانية مبتهلا إلى ربه:
يالله طلبناك ليل يشعل اشعالي
ينشي على دارنا ويهل بمزونه
الدعاء هنا ليس طلباً مجرداً، بل رغبة في أن تتحول الطبيعة نفسها إلى رسول، فالليل يحمل الأشواق والمطر يروي المشاعر المتعطشة. وكأن الشاعر يعجز عن الوصول، فيستعين بالعناصر الكونية لتقوم مقامه.
البدو قادوا السلف واستجنب التالي
وكم مرتعٍ خالي ٍ للبدو يرعونه
هنا يتجاوز الشاعر الوصف إلى التأمل الذي يحمل بُعداً ثقافياً؛ فهو يمدح التمسك بالإرث، ويرى في البادية نقاءً واستمرارية، في مقابل عالم “السبيتار” الغريب.
انتصار الحنين في خاتمة المطاف
في خاتمة القصيدة، يعود الشاعر إلى منبعه الأول: الشوق الخالص، بعد أن طاف بنا بين المرض، والفخر، والغزل، والحياة اليومية. كأن كل تلك المقاطع كانت تمهيداً لهذه اللحظة المكثفة، حيث يتجرد الصوت الشعري من كل الزوائد، ويقف أمام حقيقة واحدة: الحنين الذي لا يُحتمل.
العين من بعدهم تذري بهمالي
وجدي لعينٍ على البدوان مشحونه
القلب عيا يطاوع كل عذالي
والقلب ما هو يطيع اللي يعذلونه
هذه القصيدة ليست نصاً عن المرض فحسب، بل هي وثيقة إنسانية عن العزلة والحنين ومرآة لثقافة بدوية أصيلة وسردية شعرية تمزج بين الألم والجمال لتعكس جانباً مهماً في شخصية شاعرها الذي تتجلى فيه صفات الشهامة والوفاء والنخوة. وقد نجح عويضة بن حمزان في تحويل تجربة شخصية قاسية إلى عمل شعري نابض، تتجاور فيه قسوة السبيتار وسعة نجران، ليخرج لنا نصاً يثبت أن الشعر، حين يُكتب من قلب التجربة، يصبح خريطة خالدة للإبداع.


