تخطط الولايات المتحدة الأمريكية بخطوات متسارعة نحو تعزيز نفوذها في منطقة القطب الشمالي، حيث تسعى واشنطن إلى توسيع الوجود العسكري في غرينلاند من خلال إجراء محادثات مكثفة مع العاصمة الدنماركية كوبنهاغن. يهدف هذا التحرك الاستراتيجي إلى الحصول على حق الوصول إلى ثلاث مناطق إضافية لإنشاء قواعد عسكرية على الجزيرة الجليدية. وتأتي هذه الخطوة الأمريكية في ظل تحديات سياسية محلية، حيث يواجه هذا التوجه رفضاً من قبل بعض السكان المحليين الذين يعارضون فكرة الانتشار العسكري المتزايد في أراضيهم، مما يضع الحكومات المعنية أمام اختبار صعب للموازنة بين الأمن القومي والمطالب الشعبية.
الأهمية الاستراتيجية وراء توسيع الوجود العسكري في غرينلاند
لم يكن التوجه الأمريكي نحو هذه الجزيرة وليد الصدفة، بل تفرضه التغيرات الجيوسياسية والمناخية العميقة. فمع استمرار ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ، يشهد الجليد في القطب الشمالي ذوباناً غير مسبوق، مما يبشر بفتح ممرات بحرية جديدة، أبرزها الممر الشمالي الغربي. هذا الممر الحيوي من شأنه أن يختصر مسافات التجارة الدولية بشكل كبير، مما يعيد رسم خريطة الملاحة العالمية.
إلى جانب الممرات المائية، أعاد هذا الذوبان الجليدي إشعال فتيل التنافس الدولي الشرس مع قوى كبرى مثل روسيا والصين. تسعى هذه الدول إلى تعزيز نفوذها للوصول إلى الموارد المعدنية والطبيعية الهائلة غير المستغلة في المنطقة. بالتالي، فإن توسيع الوجود العسكري في غرينلاند يُعد خطوة استباقية من واشنطن لضمان تفوقها الإقليمي والدولي، وحماية مصالحها الاقتصادية والأمنية في مواجهة التمدد الروسي والصيني في القطب الشمالي.
تفاصيل القواعد الجديدة والمفاوضات الحالية
في تفاصيل هذا التحرك، نقلت صحيفة “نيويورك تايمز” عن الجنرال غريغوري غيو، الضابط البارز في البنتاغون، تأكيده أن الولايات المتحدة تتفاوض مع الدنمارك لاستعادة الوصول إلى قواعد سابقة. من بين هذه المواقع، تبرز مدينتان رئيسيتان: الأولى هي “نارسارسواك” الواقعة في جنوب غرينلاند والتي تتميز بتوفير ميناء بحري عميق، والثانية هي “كانجلرسواك” في الجنوب الغربي، والتي تمتلك مدرج طيران طويلاً قادراً على استيعاب الطائرات العسكرية الكبيرة.
يضع هذا الطلب الأمريكي الدنمارك في موقف دبلوماسي حرج. فغرينلاند تُعد إقليماً شبه مستقل كان جزءاً من المملكة الدنماركية لأكثر من 300 عام. وتزداد حساسية الموقف بالنظر إلى السوابق السياسية القريبة، حيث ركز الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب على فكرة شراء الجزيرة بالكامل، ووصل الأمر إلى التلويح باستخدام القوة قبل أن يتراجع عن تصريحاته. هذا التاريخ القريب يجعل المفاوضات الحالية محفوفة بالحذر من الجانب الدنماركي والغرينلاندي.
الجذور التاريخية للدفاع عن أمريكا الشمالية
لفهم السياق العام لهذا التوجه، يجب العودة إلى التاريخ العسكري للجزيرة. تقع غرينلاند قبالة الساحل الشمالي الشرقي لكندا، ويقع أكثر من ثلثي أراضيها داخل الدائرة القطبية الشمالية. هذا الموقع الجغرافي الفريد جعلها عنصراً أساسياً في استراتيجية الدفاع عن أمريكا الشمالية منذ الحرب العالمية الثانية. في ذلك الوقت، سارعت الولايات المتحدة لاحتلال الجزيرة استباقياً لمنع سقوطها في يد ألمانيا النازية، ولحماية ممرات الشحن الحيوية في شمال المحيط الأطلسي التي كانت شريان الحياة لقوات الحلفاء.
استمرت هذه الأهمية خلال فترة الحرب الباردة، حيث كانت الجزيرة نقطة إنذار مبكر حيوية ضد أي هجوم سوفيتي محتمل. المدينتان المستهدفتان حالياً كانتا بالفعل قاعدتين أمريكيتين نشطتين خلال تلك الحقبة، قبل أن يتم تسليمهما للسلطات الدنماركية والغرينلاندية في الخمسينيات والتسعينيات. واليوم، مع عودة التوترات العالمية، تجد واشنطن نفسها مضطرة لإعادة إحياء هذا الإرث العسكري، مؤكدة أن التاريخ يعيد نفسه ولكن بأدوات وتحديات جديدة تفرضها معطيات القرن الحادي والعشرين.


