في تطور لافت يعكس تداخل الملفات الأمنية العالمية، برزت تكنولوجيا الطائرات المسيرة الأوكرانية كعامل حاسم ومحتمل في الجهود الدولية الرامية إلى تأمين الملاحة البحرية. صرح مسؤول بريطاني رفيع المستوى بأن أوكرانيا مرشحة للعب دور محوري في التحالفات الدولية الهادفة إلى تأمين مضيق هرمز الاستراتيجي. وأشاد المسؤول بالتفوق التقني الكبير الذي حققته كييف في مجال الطائرات غير المأهولة، واصفاً إياها بأنها من بين الأفضل على مستوى العالم في الوقت الراهن.
الأهمية الاستراتيجية وتصاعد التوترات في الممرات المائية
تأتي هذه التصريحات في توقيت بالغ الحساسية، حيث تقود المملكة المتحدة مشاورات مكثفة تضم أكثر من 30 دولة بهدف إعادة فتح وتأمين المضيق الحيوي. تاريخياً، يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات المائية في العالم، حيث يمر من خلاله نحو خُمس استهلاك العالم من النفط. وفي ظل التوترات المتصاعدة والحصار غير المعلن الذي تفرضه التهديدات الإيرانية، تعطلت إمدادات الطاقة للأسواق العالمية بشكل ملحوظ، خاصة عقب الضربات العسكرية المتبادلة في المنطقة والعمليات التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل. هذا السياق التاريخي والجيوسياسي المعقد يجعل من البحث عن حلول تقنية متطورة أمراً حتمياً لضمان استقرار الاقتصاد العالمي.
وفي هذا السياق المتسارع، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن استعداد بلاده للمشاركة الفاعلة في المشاورات الدولية لتأمين الملاحة البحرية. تستند كييف في هذا التوجه إلى خبرتها العسكرية الواسعة والمكتسبة بشق الأنفس خلال الحرب المستمرة مع روسيا منذ أكثر من أربع سنوات. وبحسب تقارير لمسؤولين، فقد نشرت كييف بالفعل أكثر من 200 خبير عسكري وتقني في منطقة الشرق الأوسط. وقد ساهم هؤلاء الخبراء بشكل مباشر في التصدي للطائرات المسيرة بعيدة المدى، وتحديداً من طراز «شاهد» الإيرانية التي باتت تشكل تهديداً مشتركاً في عدة ساحات.
تأثير تكنولوجيا الطائرات المسيرة الأوكرانية على الأمن الإقليمي والدولي
أكد وزير شؤون القوات المسلحة البريطاني، آل كارنز، خلال زيارته الأخيرة إلى العاصمة الأوكرانية كييف، أن تكنولوجيا الطائرات المسيرة الأوكرانية التي تم تطويرها تحت ضغط المعارك أثبتت فعالية استثنائية. وأوضح أن هذه التقنيات يمكن استنساخها واستخدامها بنجاح في مناطق صراع أخرى، وعلى رأسها مضيق هرمز، لمواجهة التهديدات غير المتماثلة. إن التأثير المتوقع لهذا التعاون يتجاوز النطاق المحلي الأوكراني؛ فإقليمياً، سيساهم في تحجيم التهديدات التي تطال خطوط الملاحة في الشرق الأوسط، ودولياً، سيعزز من استقرار أسواق الطاقة العالمية ويخفف من حدة الأزمات الاقتصادية المترتبة على انقطاع سلاسل التوريد.
ورغم التوترات السياسية داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والتي برزت مؤخراً عقب انتقادات وجهها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب لحلفاء أوروبيين، شدد كارنز على أن الحرب في أوكرانيا تظل أولوية قصوى على صعيد الأمن والدفاع الغربي. وأكد المسؤول البريطاني أن الحلف لا يزال يمثل «العمود الفقري للأمن الغربي»، وأن دعم الابتكارات الأوكرانية يصب في مصلحة الأمن القومي لجميع الدول الأعضاء.
سباق التسلح التكنولوجي ومستقبل الصناعات الدفاعية
وصف كارنز التطورات المتلاحقة في ساحة المعركة الأوكرانية بأنها تمثل ثورة حقيقية في الشؤون العسكرية. وأشار إلى أن الابتكارات المدمجة التي تجمع بين استخدام الطائرات المسيرة، تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الضخمة، باتت تغير قواعد الحروب الحديثة بشكل جذري. وأضاف أن المملكة المتحدة تسعى جاهدة للاستفادة من هذه الخبرات الأوكرانية المتراكمة، تزامناً مع عمل لندن على تحديث خطتها الدفاعية الاستراتيجية للسنوات العشر المقبلة. ودعا كارنز أوكرانيا إلى تسريع وتيرة تصدير تقنياتها العسكرية المتطورة لضمان حجز موقع متقدم ومسيطر في السوق العالمية قبل أن تتمكن دول أخرى من اللحاق بها.
وكانت كييف قد اتخذت خطوات استباقية في هذا الاتجاه، حيث أصدرت أول تراخيص تصدير لتقنياتها في فبراير الماضي، في مسعى لدعم صناعتها الدفاعية الوطنية وتعزيز الروابط الاستراتيجية مع الحلفاء. ومع ذلك، أبدى بعض مسؤولي القطاع الصناعي مخاوف جدية من بطء الإجراءات البيروقراطية، محذرين من ضياع فرصة ذهبية في ظل الطلب العالمي المتزايد، خاصة مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط. وفي هذا الإطار، يُذكر أن بريطانيا تحتضن حالياً منشأة متخصصة لإنتاج طائرات مسيرة أوكرانية اعتراضية، إلى جانب تعاون وثيق مع شركة تكنولوجيا عسكرية تنتج طائرات «ماغورا» البحرية المسيرة، مما يؤكد أن أفضل الأنظمة لا تزال تنبع من التجربة الأوكرانية، رغم محاولات العالم اللحاق بهذا الركب التكنولوجي المتسارع.


