سجلت السيولة في الاقتصاد السعودي مستويات نمو قياسية تعكس متانة القطاع المالي والمصرفي في المملكة العربية السعودية. فقد أظهرت النشرة الإحصائية الشهرية الصادرة عن البنك المركزي السعودي (ساما)، تسجيل السيولة المحلية، والتي يُعبر عنها بعرض النقود بمفهومه الواسع (ن3)، نمواً سنوياً ملحوظاً بنهاية شهر فبراير، حيث بلغت قيمة الزيادة نحو 255.7 مليار ريال. ويمثل هذا الرقم نسبة ارتفاع تُقدَّر بـ 8.4%، لتصل إجمالي السيولة إلى أكثر من 3.289 تريليون ريال، مقارنة بنحو 3.033 تريليون ريال في الفترة ذاتها من العام السابق.
محركات نمو السيولة في الاقتصاد السعودي وتوزيعاتها
على أساس شهري، واصلت السيولة المحلية مسارها الصاعد بارتفاع بلغ نحو 71.5 مليار ريال، أي بنسبة نمو تُقدَّر بـ 2.2% مقارنة بنهاية شهر يناير. ويعكس هذا النمو السنوي لعرض النقود (ن3) الارتفاع الإيجابي الذي شهدته كافة مكوناته الرئيسية. وقد قادت “الودائع الزمنية والادخارية” هذا النمو بزيادة تجاوزت 167.1 مليار ريال، تلتها “الودائع الأخرى شبه النقدية” بارتفاع يُقدَّر بأكثر من 60.6 مليار ريال.
وبحسب التوزيع الهيكلي لمكونات عرض النقود، تصدّرت “الودائع تحت الطلب” الإجمالي بنسبة استحواذ بلغت 45.2%، وبقيمة تُقدَّر بنحو 1.488 تريليون ريال. وجاءت في المرتبة الثانية “الودائع الزمنية والادخارية” بنسبة 36.4% وبقيمة بلغت نحو 1.198 تريليون ريال. أما “الودائع الأخرى شبه النقدية” فقد بلغت نحو 354.3 مليار ريال، بنسبة مساهمة تُقدَّر بـ 10.8%، في حين سجل “النقد المتداول خارج المصارف” نحو 248 مليار ريال، ليمثل 7.5% من الإجمالي.
وتجدر الإشارة إلى أن الودائع شبه النقدية تشمل ودائع المقيمين بالعملات الأجنبية، والودائع مقابل الاعتمادات المستندية، والتحويلات القائمة، وعمليات إعادة الشراء (الريبو) المنفذة مع القطاع الخاص. وللتوضيح الاقتصادي، يشمل عرض النقود (ن1) النقد المتداول خارج المصارف والودائع تحت الطلب، بينما يضم (ن2) كلاً من (ن1) والودائع الزمنية والادخارية، في حين يُعد (ن3) المفهوم الأوسع بإضافة الودائع الأخرى شبه النقدية.
السياق التاريخي: مسيرة الاستقرار المالي في المملكة
تاريخياً، حرص البنك المركزي السعودي (ساما) على تبني سياسات نقدية حصيفة تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار المالي ودعم النمو الاقتصادي المستدام. ويأتي هذا الارتفاع المتواصل في المعروض النقدي كتتويج لجهود هيكلية طويلة الأمد بدأت تتسارع وتيرتها مع إطلاق رؤية السعودية 2030. فقد عملت المملكة على تعزيز الشمول المالي، وتطوير البنية التحتية للمدفوعات الرقمية، مما ساهم في تقليل الاعتماد على النقد الورقي وزيادة حجم الودائع المصرفية بمختلف أنواعها. هذا التحول التاريخي يعكس نضجاً في السلوك المالي للأفراد والشركات، وتوجهاً متزايداً نحو ثقافة الادخار والاستثمار بدلاً من الاستهلاك الفوري.
الأثر الاستراتيجي لنمو المعروض النقدي محلياً ودولياً
يحمل هذا الارتفاع في حجم المعروض النقدي دلالات اقتصادية بالغة الأهمية على عدة أصعدة. فعلى المستوى المحلي، توفر هذه السيولة الضخمة قاعدة رأسمالية صلبة للبنوك والمصارف السعودية، مما يعزز من قدرتها على تقديم التسهيلات الائتمانية وتمويل المشاريع التنموية الكبرى ومشاريع البنية التحتية التي تقودها الدولة والقطاع الخاص. كما أن توفر السيولة يساهم في خفض تكلفة الاقتراض للشركات، مما يحفز عجلة الإنتاج ويخلق المزيد من فرص العمل.
أما على المستوى الإقليمي والدولي، فإن تجاوز المعروض النقدي لحاجز 3.28 تريليون ريال يرسخ مكانة المملكة كأكبر اقتصاد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. هذه المؤشرات الإيجابية تبعث برسائل طمأنة قوية للمستثمرين الأجانب، وتؤكد على قدرة الاقتصاد السعودي على امتصاص الصدمات العالمية ومواجهة التحديات الجيوسياسية. علاوة على ذلك، فإن قوة السيولة المحلية تدعم التصنيف الائتماني السيادي للمملكة، وتزيد من جاذبية السوق السعودي كوجهة رئيسية للاستثمارات الأجنبية المباشرة، مما يخدم في النهاية أهداف التنويع الاقتصادي وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية.


