في خطوة تاريخية طال انتظارها نحو تحقيق المساءلة والعدالة، شهدت دمشق اليوم (الأحد) انطلاق أولى جلسات محاكمة غيابية للرئيس المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد، إلى جانب عدد من رموز النظام السابق، أبرزهم المسؤول الأمني السابق عاطف نجيب. هذه المحاكمة تمثل بداية مسار العدالة الانتقالية في سوريا، الذي يهدف إلى معالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي شهدتها البلاد على مدار سنوات الصراع الطويلة. وقد حضر نجيب، الذي أوقف في يناير 2025 (وفقاً للمصدر القضائي)، الجلسة حضورياً أمام المحكمة، بينما يحاكم الأسد وشقيقه غيابياً.
انطلاق مسار العدالة الانتقالية في سوريا: محاكمة تاريخية
أكد مصدر قضائي لوكالة “فرانس برس” أن هذه الجلسة الافتتاحية تمثل نقطة تحول في مسار التحضير لمحاكمة غيابية للمجرم بشار الأسد وشقيقه ماهر، بالإضافة إلى محاكمة حضورية لعدد من المسؤولين الأمنيين والعسكريين، وعلى رأسهم المجرم عاطف نجيب. نجيب، وهو قريب الرئيس المخلوع بشار الأسد، كان قد تولى سابقاً رئاسة فرع الأمن السياسي في درعا، المدينة التي شهدت شرارة الاحتجاجات الشعبية عام 2011. ويُعتبر نجيب مسؤولاً عن حملة القمع والاعتقالات الواسعة التي طالت المحافظة في تلك الفترة، مما أدى إلى تصاعد الأزمة وتوسعها.
جذور الأزمة السورية والحاجة إلى المساءلة
تعود جذور الأزمة السورية إلى الخامس عشر من مارس 2011، عندما اندلعت احتجاجات سلمية في درعا، جنوب سوريا، بعد اعتقال وتعذيب أطفال كتبوا شعارات مناهضة للأسد على جدران مدرستهم. قوبلت هذه الاحتجاجات بقمع وحشي من قبل قوات الأمن، مما أدى إلى تصاعد المطالب من الإصلاح إلى إسقاط النظام. على مدى السنوات التالية، تحولت الأزمة إلى صراع مسلح مدمر، أسفر عن مقتل أكثر من نصف مليون شخص، وتشريد الملايين، واعتقال عشرات الآلاف، واختفاء آخرين قسراً. هذه الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، التي وثقتها منظمات دولية عديدة، خلقت حاجة ماسة وملحة لتحقيق العدالة والمساءلة لضحايا الصراع، وهو ما تسعى إليه عملية العدالة الانتقالية في سوريا.
العدالة الانتقالية: مفهومها وأهمية تطبيقها في السياق السوري
تُعرف العدالة الانتقالية بأنها مجموعة من الآليات القضائية وغير القضائية التي تهدف إلى معالجة تركة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في المجتمعات التي تمر بمرحلة انتقالية من النزاع أو القمع إلى السلام والديمقراطية. تشمل هذه الآليات المحاكمات الجنائية، لجان الحقيقة والمصالحة، برامج جبر الضرر للضحايا، وإصلاح المؤسسات. في السياق السوري، حيث عانت البلاد من عقود من الحكم الاستبدادي تلاها صراع وحشي، يُعد تطبيق العدالة الانتقالية أمراً حيوياً ليس فقط لمعاقبة الجناة، بل أيضاً لاستعادة ثقة المواطنين في سيادة القانون، وتعزيز المصالحة الوطنية، ومنع تكرار الانتهاكات في المستقبل. هذه المحاكمات، حتى وإن كانت غيابية، تحمل رمزية قوية للضحايا وتؤكد أن الجرائم لن تمر دون عقاب.
تداعيات المحاكمة: آمال وتحديات على الصعيدين المحلي والدولي
أعلن قاضي محكمة الجنايات فخر الدين العريان أن المحاكمات الأولية للعدالة الانتقالية في سوريا تشمل متهماً ملقى القبض عليه (عاطف نجيب) ومتهمين هاربين من وجه العدالة (بشار وماهر الأسد). ووفقاً لقانون أصول المحاكمات الجزائية في سوريا، يتيح المسار الغيابي محاكمة الجنايات بحق المتهمين غير الموقوفين أو الفارين، بعد تبليغهم وإمهالهم وفق الأصول. وفي حال عدم مثولهم، يمكن للمحكمة أن تنظر في التهم الموجهة إليهم وفي دعاوى التعويضات الشخصية، وأن تصدر أحكاماً غيابية في نهاية المسار. هذه الخطوة تحمل آمالاً كبيرة للآلاف من المفقودين والمعتقلين وعائلاتهم، الذين يرون فيها بداية لإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب. ومع ذلك، تواجه هذه المحاكمات تحديات كبيرة، أبرزها طبيعة المحاكمة الغيابية، وصعوبة تنفيذ الأحكام بحق المتهمين الفارين، بالإضافة إلى التعقيدات السياسية الإقليمية والدولية التي قد تؤثر على مسار العدالة. فر الأسد إلى روسيا غداة وصول فصائل المعارضة بقيادة هيئة تحرير الشام إلى دمشق في ديسمبر 2024، منهياً بذلك أكثر من خمسة عقود من حكم عائلته لسوريا، منها 24 عاماً قضاها هو في السلطة خلفاً لوالده حافظ الأسد. ولم يستجب المتهم عاطف نجيب خلال هذه الجلسة، معلناً أنها مخصصة “للإجراءات الإدارية والقانونية الخاصة بالتحضير”، وأعلن عن جلسة محاكمة ثانية في العاشر من مايو. كما أفاد مصدر قضائي بأن المحاكمات الحضوريه ستشمل وسيم الأسد، أحد أقرباء الرئيس المخلوع، والمفتي السابق بدر الدين حسون، ومسؤولين عسكريين وأمنيين آخرين أوقفتهم السلطات الجديدة تباعاً خلال الأشهر الماضية، وسيُحاكمون بتهم ارتكاب فظائع بحق السوريين.


