شهدت المملكة العربية السعودية خلال الأعوام الثمانية الماضية تحولاً ثقافياً غير مسبوق، حيث لم تعد الحداثة مجرد مفهوم غريب، بل أصبحت محور اهتمام ورعاية، في خطوة جريئة ومدروسة نحو المستقبل. لقد كان لوزارة الثقافة السعودية دور محوري في إزالة الحواجز بين الأصالة والمعاصرة، مقدمةً نموذجاً وطنياً فريداً يثري الإرث العريق ويتفاعل بمهنية مع ثقافات العالم دون الوقوع في فخ الاستفزاز أو الإثارة. هذا تطور الثقافة السعودية يعكس رؤية طموحة تهدف إلى بناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر.
رؤية 2030: المحفز لنهضة ثقافية شاملة
قبل إطلاق رؤية المملكة 2030 في عام 2016، كان المشهد الثقافي السعودي يتسم بطابع محافظ، مع جهود فردية ومبادرات محدودة. ومع إطلاق الرؤية، التي وضعت الثقافة في صميم أهدافها التنموية، بدأت مرحلة جديدة من الانفتاح والتطوير. لقد أدركت القيادة السعودية أن الثقافة ليست مجرد ترف، بل هي ركيزة أساسية للهوية الوطنية، ومحرك للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وفي عام 2018، جاء تأسيس وزارة الثقافة ليكون نقطة تحول مفصلية، حيث نقل القطاع الثقافي من اجتهادات متفرقة إلى عمل مؤسسي منظم، يهدف إلى تحقيق أهداف استراتيجية واضحة المعالم.
مصالحة الأصالة والحداثة: استراتيجية متكاملة لـ تطور الثقافة السعودية
لم تتخلَّ وزارة الثقافة عن إرثها العريق، ولم تتنكر لما هو حديث من فنون وآداب عالمية، بل آمنت بأن الثقافات عابرة للحدود، وأن التفاعل الإيجابي هو سبيل للارتقاء. هذا التوازن الدقيق بين الأصالة والمعاصرة هو جوهر تطور الثقافة السعودية. فمن جهة، عملت الوزارة على توثيق التراث وحفظه رقمياً، وتسجيل عناصر التراث غير المادي في اليونسكو، مثل آلة السمسمية، وإدراج ثمانية مواقع سعودية ضمن قائمة التراث العالمي. ومن جهة أخرى، احتضنت الفنون الحديثة والمعاصرة، فدعمت صناعة السينما عبر برامج التمويل، وأطلقت مبادرات مثل “حي جاكس” كمركز للفنون التشكيلية، ومهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، مما أثرى الحياة الثقافية بشكل كبير.
بناء القدرات وتمكين المبدعين: استثمار في المستقبل
في سياق هذا التحول، أكدت الدكتورة مستورة العرابي أن المشهد الثقافي السعودي يتشكل ضمن سياق تحول عميق تقوده رؤية 2030، معيدة صياغة الثقافة كركيزة أساسية في مشروع التنمية الشاملة. وقد تجلى ذلك في إنشاء 11 هيئة ثقافية متخصصة، وصندوق التنمية الثقافي لدعم المشاريع الإبداعية، بالإضافة إلى ترخيص الجمعيات الأدبية والثقافية. كما قامت جامعة الرياض للفنون، بكلياتها الـ13، بتغذية النسيج بالمعرفة والتأهيل النوعي، عبر برامج وشراكات عالمية تعزز جودة المخرجات وتوسع المشاركة المجتمعية، وتبني اقتصاداً قائماً على المعرفة والإبداع. هذا الاستثمار في الكوادر الوطنية، وبرامج التأهيل والابتعاث والتدريب، وإدراج أكثر من 80 مهنة ثقافية ضمن التصنيف المهني، يضمن استدامة الحراك الثقافي وتطوره.
تأثير محلي وعالمي: المملكة قوة ثقافية ناعمة
إن هذا الحراك الثقافي لم يقتصر تأثيره على الداخل السعودي فحسب، بل امتد ليجعل المملكة قوة ثقافية ناعمة قادرة على الحوار والتأثير وصناعة نماذج تنموية ملهمة على الصعيدين المحلي والعالمي. يرى الروائي أحمد السماري أن الثقافة تحولت من هامش التنمية إلى نشاط رئيسي، ومركز من مراكز التحول الوطني، ومسار واعٍ يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وهويته الثقافية والوطنية، وبين الإبداع والتنمية. وقد عززت المملكة حضورها في المنظمات الدولية مثل اليونسكو، واستقطبت فعاليات ومهرجانات عالمية، مما نقل الثقافة السعودية من ضفة المتلقي إلى موقع الشريك المؤثر، وساهم في رسم صورة جديدة للمملكة كمركز ثقافي إقليمي وعالمي.
حصاد ثمانية أعوام: إبداع متجدد وتراث محفوظ
لقد أثمرت الأعوام الثمانية الماضية عن حصاد ثقافي غني، حيث تعدد الحراك الثقافي وتنوعت الفعاليات وتنامى الوعي المجتمعي بأهمية الثقافة. توسعت الصناعات الإبداعية، وتولدت فرص عمل جديدة، وبرزت المواهب السعودية في مختلف المجالات. يؤكد الشاعر حاتم الجديبي أن التحول الذي شهدته الثقافة السعودية كان نوعياً، حيث أعيد تشكيل المشهد الثقافي ليخرج من دوائره المعرفية الضيقة ومساراته المحدودة إلى دوائر معرفية أوسع ومسارات ثقافية أشمل، مما أدى إلى رفع نسبة المشاركة في الأنشطة الثقافية المتنوعة. إن إعادة بناء القطاع الثقافي في المملكة، مستلهماً علاقته بالزمن وبالحضارة، يضمن أن يبقى الجذر عميقاً والسماء مفتوحة للإبداع المتجدد.


