spot_img

ذات صلة

روسيا وأمريكا: انخراط محتمل في الملف الإيراني

أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، في تصريحات صحفية من البيت الأبيض، عن إجرائه محادثات «جيدة للغاية» مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال اتصال هاتفي. وقد كشفت هذه المحادثات عن استعداد بوتين للانخراط في الملف الإيراني، لا سيما فيما يتعلق بمسألة تخصيب اليورانيوم، إذا كان ذلك سيساعد في حل الأزمة. يأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران توترات متصاعدة، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول الدور الذي يمكن أن تلعبه روسيا في هذه المعادلة المعقدة.

تصاعد التوترات في الملف الإيراني: سياق تاريخي ودور القوى الكبرى

تتسم الأزمة حول برنامج إيران النووي بتاريخ طويل من المفاوضات والتوترات. فبعد سنوات من العقوبات الدولية، تم التوصل إلى الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) في عام 2015 بين إيران ومجموعة 5+1 (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، فرنسا، المملكة المتحدة، وألمانيا). هذا الاتفاق كان يهدف إلى تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات. إلا أن انسحاب الولايات المتحدة أحادياً من الاتفاق في عام 2018، تحت إدارة ترمب، وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية المشددة، أدى إلى تدهور كبير في الأوضاع. ردت إيران بتقليص التزاماتها النووية تدريجياً، مما أثار مخاوف دولية متجددة بشأن قدرتها على تطوير أسلحة نووية.

في هذا السياق، تبرز روسيا كلاعب رئيسي، كونها أحد الأطراف الموقعة على الاتفاق النووي الأصلي ولها مصالح استراتيجية في استقرار منطقة الشرق الأوسط. لطالما دعت موسكو إلى حل دبلوماسي للأزمة وحافظت على علاقات قوية مع طهران، مما يمنحها نفوذاً قد يكون حاسماً في أي جهود وساطة مستقبلية. إن إبداء بوتين استعداده للمشاركة في مناقشات حول تخصيب اليورانيوم يعكس إدراكاً روسياً لأهمية احتواء الأزمة وتجنب التصعيد العسكري.

رؤى متباينة ومصالح متقاطعة: واشنطن وموسكو وطهران

أكد ترمب أن بوتين لا يرغب في أن تمتلك إيران سلاحاً نووياً، مشيراً إلى أن نظيره الروسي يفضل التركيز على إنهاء الحرب في أوكرانيا، وهو ما يعتبره ترمب «أكثر أهمية» بالنسبة لبوتين. هذه التصريحات تسلط الضوء على تباين الأولويات بين القوتين العظميين، حيث تسعى واشنطن جاهدة لمنع إيران من امتلاك قدرات نووية، بينما لموسكو أجندتها الخاصة في مناطق أخرى. ومع ذلك، فإن نقطة الالتقاء حول عدم تسليح إيران نووياً قد تكون أساساً للتعاون.

من جانبها، أرسلت الولايات المتحدة رسائل حازمة بشأن إيران، مؤكداً ترمب أن بلاده «لن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي». وقد شدد على أن الولايات المتحدة «دمرت قواتهم البحرية، ودمرت سلاحهم الجوي، ودمرت دفاعاتهم الجوية، وكل منظوماتهم تقريباً». وأضاف: «دمرنا نحو 80% من منشآت تصنيع الصواريخ لديهم، والباقي يمكن أن يُدمر بسرعة كبيرة. وإذا لم نتوصل إلى اتفاق، فلن يمتلكوا سلاحاً نووياً. هم يعرفون ذلك، والجميع تقريباً يعرف ذلك». هذه التصريحات تعكس استراتيجية الضغط القصوى التي اتبعتها إدارة ترمب، والتي شملت أيضاً فرض حصار بحري وقدرات عسكرية لردع أي تصعيد إيراني.

تداعيات الانخراط الروسي المحتمل على الاستقرار الإقليمي والدولي

إن أي انخراط روسي جاد في الملف الإيراني يمكن أن يحمل تداعيات كبيرة على الاستقرار الإقليمي والدولي. فمن ناحية، قد يوفر قناة دبلوماسية إضافية لتخفيف التوترات وربما إعادة إحياء المفاوضات حول البرنامج النووي. روسيا، بحكم علاقاتها مع إيران وقدرتها على التواصل مع الغرب، يمكن أن تلعب دور الوسيط النزيه أو الميسر للمحادثات. من ناحية أخرى، قد يزيد هذا الانخراط من تعقيد المشهد الجيوسياسي، خاصة إذا كانت المصالح الروسية تتعارض مع مصالح الولايات المتحدة أو حلفائها الإقليميين مثل إسرائيل ودول الخليج.

كما أن هذا التطور يلقي بظلاله على جهود منع الانتشار النووي العالمية. فإذا تمكنت إيران من تطوير قدرات نووية، فقد يشجع ذلك دولاً أخرى في المنطقة على السعي لامتلاك برامج نووية خاصة بها، مما يؤدي إلى سباق تسلح إقليمي خطير. لذا، فإن أي حل دبلوماسي يتطلب توافقاً دولياً واسعاً وجهوداً منسقة من القوى الكبرى.

رسائل أمريكية حازمة وتحذيرات روسية

في سياق متصل، أشار ترمب إلى أن مستشاره جاريد كوشنر أخبره بأنهم «في وضع جيد جداً بشأن إيران»، لافتاً إلى أن نسبة التضخم في إيران عند أعلى مستوياتها. وقد حذر بوتين، وفقاً لمساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف، من أن استئناف العمل العسكري ضد إيران ستكون له عواقب وخيمة على المجتمع الدولي بأسره، وليس فقط على إيران وجيرانها. وأكد أوشاكوف أن روسيا «تلتزم التزاماً راسخاً بتقديم كل الدعم الممكن للجهود الدبلوماسية الرامية إلى إيجاد حل سلمي للأزمة الإيرانية، وقد قدمت عدداً من المقترحات لحل الخلافات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني».

كما ناقش ترمب وبوتين العلاقات الروسية الأمريكية وعدد من المبادرات الاقتصادية، وشددا على مواصلة الاتصالات المباشرة. وفيما يتعلق بالتحركات العسكرية الأمريكية، كانت صحيفة واشنطن بوست قد نقلت عن مسؤول أمريكي قوله إن حاملة الطائرات جيرالد فورد يتوقع أن تعود إلى ولاية فرجينيا منتصف الشهر القادم. وفي المقابل، نقلت وكالة تسنيم الإيرانية عن مصادر قولها إن متابعات إيران أدت إلى الإفراج عن 6 من أفراد طاقم السفينة «توسكا» التي احتجزها الأمريكيون قبل أيام، وأن الجهود مستمرة للإفراج عن 22 إيرانياً كانوا على متن السفينة.

تؤكد هذه التطورات أن الملف الإيراني لا يزال يمثل تحدياً دبلوماسياً وأمنياً معقداً يتطلب تنسيقاً دولياً حذراً، مع استمرار التباينات في الرؤى والمصالح بين القوى الفاعلة.

spot_imgspot_img