spot_img

ذات صلة

ليلة وفاء للدكتور سعيد السريحي في جدة: إرث نقدي خالد

تنتظر مدينة جدة الليلة ليلة وفاء استثنائية يحتفي فيها المثقفون بمسيرة الراحل الدكتور سعيد السريحي، أحد أبرز الرموز الفكرية التي تركت بصمة لا تُمحى في تاريخ النقد العربي المعاصر. في حفل تأبين مهيب يحمل عنوان «التلويحة الأخيرة»، تتجمع النخبة لاستعادة ذكرى قامة بدأت من أزقة الرويس لتصبح علامة فارقة في المشهد الثقافي. من بساطة الرويس إلى سدة النقد، تبدأ حكاية الليلة باستعادة سيرة الصبي الذي كان يشتري دواوين الشعر من بسطات جدة القديمة بمصروفه الأسبوعي.

مسيرة الدكتور سعيد السريحي: من أزقة الرويس إلى قمة النقد

لم يكن صعود الدكتور سعيد السريحي إلى قمة النقد والأدب مجرد مسيرة أكاديمية تقليدية، بل كانت رحلة شغف وتفانٍ بدأت من بيئة جدة الحاضنة للتنوع الثقافي والأدبي. جدة، المدينة الساحلية التي طالما كانت بوابة للحجاج والتجار، كانت أيضًا بوتقة تنصهر فيها الثقافات وتتلاقح الأفكار، مما أثرى وعي السريحي المبكر. هذا الشغف المبكر بالقراءة والاطلاع هو ما قاده ليتصدر المتفوقين في الثانوية العامة، ويصبح لاحقًا الناقد الذي «يكتب خارج الأقواس»، متمسكًا بمواقفه ورؤيته التي لا تتزحزح. لقد آمن السريحي بأن النقد ليس مجرد تحليل للنصوص، بل هو رؤية عميقة للحياة والمجتمع، تتطلب شجاعة فكرية واستقلالية في الرأي.

السريحي وصحيفة عكاظ: منبر الفكر الحر

ارتبط اسم الدكتور سعيد السريحي ارتباطًا وثيقًا بصحيفة عكاظ، حيث قضى فيها أكثر من 28 عامًا من العطاء الفكري والإعلامي. لم يكن مجرد مدير تحرير، بل كان سادنًا للثقافة وكاتبًا لزاوية «ولكم الرأي»، التي كانت تفتح صباحات بيضاء للقراء كل يوم. لقد آمن بأن الصحافة منبر لتمكين الشباب، وهو الموقف الذي جهر به منذ بداياته. كانت مقالاته في عكاظ بمثابة مدارس فكرية مصغرة، تقدم رؤى نقدية جريئة وتحليلات عميقة للقضايا الأدبية والاجتماعية، مما جعله صوتًا مؤثرًا ومسموعًا في الساحة الثقافية السعودية والعربية. لقد ساهمت كتاباته في تشكيل وعي أجيال من القراء والمثقفين، وفتحت آفاقًا جديدة للنقاش والحوار البناء.

إرث الدكتور سعيد السريحي: مدرسة نقدية تتجاوز الزمان والمكان

على الرغم من تنقله الأكاديمي بين عواصم العالم من بغداد وتونس إلى زيورخ، ظل السريحي «ابن الرويس البار»، محتفظًا بأصالته وارتباطه بجذوره. الليلة، يستذكر رفاقه كيف خلّد ذاكرة حيه في كتابه «الرويس»، ليحمي حكايات الناس من النسيان، ويثبت أن المثقف الحقيقي هو من يسكنه المكان قبل أن يسكنه هو. إرث لا تسكنه الأقواس، يجمع رفاق الدرب الليلة للحديث عن السريحي «المدرسة» التي تركت إرثًا غزيرًا يتجاوز العشرين مؤلفًا. هذه المؤلفات ليست مجرد كتب، بل هي مرجعيات نقدية وفكرية أسهمت في تطوير حركة النقد الأدبي في المملكة والعالم العربي، وقدمت مقاربات جديدة للنصوص الأدبية والثقافية. تأثيره لم يقتصر على النطاق المحلي، بل امتد ليشمل الأوساط الأكاديمية والنقدية الإقليمية والدولية، حيث كانت أعماله تُدرس وتُناقش كنموذج للنقد الأصيل والعميق.

في ختام هذه الليلة، يترجل «أبو إقبال» ليرتاح بعد أن علمنا أن الحقيقة لا تسكن الأقواس، مؤكدًا أن الحكاية بدأت للتو ولم تنتهِ بعد. فذكراه وإرثه الفكري سيظلان منارة تهدي الأجيال القادمة من النقاد والباحثين، وتلهمهم للسير على دربه في البحث عن الحقيقة والجمال في الأدب والحياة.

spot_imgspot_img