كشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية أن الغارة الجوية التي استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت مساء الأربعاء، تُعد الأولى من نوعها في المنطقة منذ أسابيع، وقد طالت معقلاً تابعاً لحزب الله رغم سريان وقف إطلاق النار. وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن الغارة استهدفت قائد قوة «الرضوان» مالك بلوط، وتحدثت تقديرات عن مقتله مع عدد من القيادات الميدانية داخل المبنى المستهدف. إن التكهنات حول اغتيال مالك بلوط، إذا تأكدت، تحمل في طياتها دلالات خطيرة قد تؤثر على المشهد الأمني في المنطقة.
غارة الضاحية: استهداف قيادي بارز في قلب بيروت
ذكرت القناة 14 الإسرائيلية أن مالك بلوط، قائد قوة «الرضوان» النخبوية في حزب الله، كان داخل المبنى لحظة القصف برفقة نائبه ومسؤولين آخرين من الحزب، مشيرة إلى وجود تقديرات بمقتل نائب قائد القوة أيضاً. وفي المقابل، قال مصدر مقرب من حزب الله لوكالة فرانس برس إن الغارة أدت إلى اغتيال «قيادي» في الحزب، من دون الكشف عن هويته أو منصبه الرسمي، وهو ما يعكس حساسية الموقف والترقب الحذر لتداعيات هذا الاستهداف.
تُعتبر الضاحية الجنوبية لبيروت معقلاً رئيسياً لحزب الله، وتُعرف بكثافتها السكانية ووجود العديد من المقرات والمؤسسات التابعة للحزب. استهداف هذه المنطقة، خاصة بعملية اغتيال محتملة لقيادي بهذا المستوى، يمثل تصعيداً نوعياً في الصراع الدائر بين إسرائيل وحزب الله، والذي تصاعد بشكل كبير منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023 والحرب في غزة. لطالما كانت الضاحية هدفاً رمزياً وعملياتياً لإسرائيل في صراعاتها السابقة مع حزب الله، بما في ذلك حرب يوليو 2006، مما يضفي على هذه الغارة بعداً تاريخياً من التوتر المستمر.
قوة الرضوان: وحدة النخبة ودورها في الصراع
تُعد قوة «الرضوان» وحدة النخبة في حزب الله، وهي مسؤولة عن تنفيذ العمليات الخاصة والاقتحامات، وقد اكتسبت سمعة كبيرة لقدراتها القتالية العالية. التقارير الإسرائيلية أشارت إلى أن مالك بلوط تولى قيادة قوة «الرضوان» منذ ديسمبر 2024، عقب اغتيال القائد السابق وسام الطويل، الذي استُهدف أيضاً في غارة إسرائيلية. هذا التسلسل في الاستهدافات يُظهر تركيز إسرائيل على قيادات هذه الوحدة تحديداً، مما يعكس أهميتها الاستراتيجية في بنية حزب الله العسكرية.
لطالما كانت قوة الرضوان في طليعة المواجهات مع إسرائيل، سواء في جنوب لبنان أو في سوريا، حيث يُعتقد أنها لعبت أدواراً محورية في دعم النظام السوري. استهداف قائد هذه القوة، سواء كان مالك بلوط أو غيره، يمثل محاولة إسرائيلية لتقويض القدرات العملياتية لحزب الله وإرسال رسالة واضحة حول مدى قدرتها على الوصول إلى قيادات الحزب حتى في عمق الأراضي اللبنانية. هذا الاستهداف قد يؤثر على معنويات عناصر القوة وخططها المستقبلية.
تداعيات اغتيال مالك بلوط: تصعيد محتمل على الجبهة اللبنانية
نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مسؤول كبير قوله إن المقر الذي تعرض للقصف «كان يصدر تعليمات لتنفيذ هجمات ضد إسرائيل وخرق وقف إطلاق النار»، في إشارة إلى تصعيد جديد قد يعيد التوتر إلى الساحة اللبنانية. هذه الضربة، إذا تأكدت أنها أدت إلى اغتيال مالك بلوط، تمثل أول عملية اغتيال لشخصية بارزة في الحزب منذ بدء وقف إطلاق النار منتصف أبريل الماضي، مما يشير إلى أن إسرائيل «غير مقيدة» في تحركاتها داخل لبنان، بما في ذلك تنفيذ عمليات داخل بيروت إذا توفرت «فرصة عملياتية مناسبة».
تأتي هذه الغارة في مرحلة حساسة للغاية، تتزامن مع أنباء عن تقدم في المحادثات بين واشنطن وطهران، والتي تهدف إلى احتواء التوترات الإقليمية. الاستهداف قد يعرقل هذه الجهود الدبلوماسية ويدفع المنطقة نحو مزيد من التصعيد. على الصعيد المحلي، قد يواجه لبنان ضغوطاً متزايدة، حيث يمكن أن يؤدي أي رد فعل من حزب الله إلى جر البلاد إلى صراع أوسع لا تحتمل تبعاته الاقتصادية والاجتماعية. إقليمياً، قد يؤدي هذا الحدث إلى ردود فعل من حلفاء إيران، مما يوسع دائرة الصراع ويجعل من الصعب احتواءه.
رسائل سياسية وعسكرية: توقيت الضربة ودلالاتها
أشارت الصحيفة الإسرائيلية إلى أن توقيت الضربة جاء في مرحلة حساسة بالتزامن مع أنباء عن تقدم في المحادثات بين واشنطن وطهران، فيما نقلت عن مصدر إسرائيلي قوله إن العملية «تم تنسيقها مع الأمريكيين». هذا التنسيق المزعوم، إن صح، يضيف بعداً دولياً للعملية ويشير إلى رسائل سياسية وعسكرية أوسع نطاقاً. قد تكون إسرائيل تسعى من خلال هذه العملية إلى إرسال رسالة ردع لحزب الله وإيران، مفادها أنها لن تتهاون مع أي تهديدات لأمنها، حتى في ظل الجهود الدبلوماسية.
إن استهداف قيادي بارز في حزب الله في قلب بيروت، في هذا التوقيت، يمكن أن يُفسر على أنه محاولة إسرائيلية لتغيير قواعد الاشتباك أو لفرض واقع جديد على الأرض. هذا النوع من العمليات غالباً ما يهدف إلى إضعاف القيادة العسكرية للخصم، وإرباك صفوفه، وربما دفع الأطراف الأخرى لإعادة تقييم مواقفها. تبقى المنطقة على صفيح ساخن، وتداعيات هذه الغارة ستكون محط أنظار المراقبين والفاعلين الإقليميين والدوليين في الأيام القادمة.


