يستعد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو لعقد لقاء روبيو وبابا الفاتيكان المرتقب اليوم الخميس في الفاتيكان، في اجتماع يُتوقع أن يشهد أجواء حساسة للغاية. يأتي هذا اللقاء على خلفية تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، والانتقادات الحادة التي وجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخراً لبابا الفاتيكان بسبب موقفه من الصراع المحتمل مع طهران وقضايا الهجرة.
الفاتيكان والسياسة العالمية: صوت السلام في زمن الاضطرابات
لطالما لعب الفاتيكان دوراً محورياً في الدبلوماسية الدولية، متجاوزاً الحدود الجغرافية والسياسية ليكون صوتاً أخلاقياً مؤثراً. تاريخياً، سعت الكنيسة الكاثوليكية إلى التوسط في النزاعات وتعزيز الحوار بين الأمم، مستندة إلى مبادئ السلام والعدالة الإنسانية. في العقود الأخيرة، تزايد هذا الدور مع تزايد التحديات العالمية، من الصراعات المسلحة إلى أزمات اللاجئين وتغير المناخ. يُعد بابا الفاتيكان، بصفته الزعيم الروحي لأكثر من مليار كاثوليكي حول العالم، شخصية ذات تأثير معنوي ودبلوماسي كبير، وغالباً ما تتصادم مواقفه مع السياسات الواقعية للقوى العظمى، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتدخل العسكري أو القضايا الإنسانية.
خلفية التوتر الأمريكي الإيراني: صراع على النفوذ والملف النووي
تأتي هذه الزيارة في وقت حرج، حيث تشهد العلاقات بين واشنطن وطهران تصعيداً غير مسبوق. منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018، فرضت إدارة ترامب عقوبات اقتصادية قاسية على إيران، مما أدى إلى تفاقم الأزمة وتصاعد حدة الخطاب بين البلدين. تتهم واشنطن طهران بزعزعة استقرار المنطقة ودعم جماعات مسلحة، بينما ترى إيران أن السياسات الأمريكية تهدف إلى تغيير النظام. في هذا السياق، يبرز موقف الفاتيكان الرافض للحرب والداعي إلى الحلول الدبلوماسية، مما يضعه في مواجهة مباشرة مع النهج الأكثر تشدداً الذي تتبناه الإدارة الأمريكية.
أجندة اللقاء: ملفات حساسة على طاولة البحث
من المقرر أن يصل روبيو، الذي يشغل أيضاً منصب مستشار الأمن القومي الأمريكي، إلى القصر الرسولي في الفاتيكان صباح اليوم الخميس، في أول لقاء روبيو وبابا الفاتيكان يجمع البابا بمسؤول رفيع من إدارة ترامب منذ ما يقرب من عام. وأفادت وكالة رويترز نقلاً عن مصادر دبلوماسية بأن الاجتماع المغلق سيستمر لنحو نصف ساعة، يليه لقاء آخر بين روبيو والكاردينال الإيطالي بيترو بارولين، السكرتير الدبلوماسي الأبرز في الفاتيكان. من المتوقع أن يتناول اللقاء قضايا متعددة، أبرزها حرية الأديان حول العالم، والوضع في كوبا، بالإضافة إلى التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط.
يُعرف بابا الفاتيكان، الذي يُدعى ليو ويُعد أول بابا أمريكي في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، بمواقفه الصريحة والمناهضة للحرب، لا سيما ما يُشار إليه بـ ‘الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران’. كما أعرب عن اعتراضه على سياسات الهجرة المتشددة التي تتبناها إدارة ترامب. خلال الأسابيع الماضية، كثف ترامب هجماته العلنية ضد البابا، في خطوة أثارت انتقادات واسعة من قادة دينيين ومسيحيين من مختلف التوجهات السياسية. وقد صرح الرئيس الأمريكي يوم الاثنين بأن بابا الفاتيكان ‘يعرض الكثير من الكاثوليك للخطر’ بسبب معارضته للحرب، واتهمه بشكل غير مباشر بالتساهل تجاه امتلاك إيران للأسلحة النووية.
لكن البابا ليو نفى هذه الاتهامات بشدة، مؤكداً أن رسالته تقوم على الدعوة إلى السلام ورفض الأسلحة النووية بشكل قاطع. وقال في تصريحات للصحفيين: ‘مهمة الكنيسة هي الدعوة إلى السلام، والكنيسة أعلنت منذ سنوات رفضها لجميع الأسلحة النووية، ولا شك في ذلك’. وصف السفير الأمريكي لدى الفاتيكان، براين بورش، الاجتماع المرتقب بأنه سيكون ‘صريحاً’، في إشارة إلى حجم الخلافات السياسية القائمة بين الجانبين. يأتي هذا اللقاء في وقت أصبح فيه بابا الفاتيكان أكثر حضوراً على الساحة الدولية، حيث أثار جدلاً واسعاً خلال جولته الأفريقية الأخيرة عندما تحدث عن عالم تمزقه ‘حفنة من الطغاة’، موضحاً لاحقاً أن تصريحاته لم تكن موجهة مباشرة إلى ترامب.
من المنتظر أن يواصل روبيو زيارته إلى روما لمدة يومين، وتشمل أيضاً لقاء مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، التي سبق لها أن دافعت عن البابا في مواجهة انتقادات ترامب، بينما حذر وزير دفاعها من أن الحرب على إيران قد تهدد مكانة القيادة الأمريكية عالمياً. هذا اللقاءات الدبلوماسية المكثفة تؤكد على الأهمية المتزايدة لدور الفاتيكان كلاعب مؤثر في القضايا الدولية، وتبرز تعقيدات العلاقات بين القوى العالمية والمؤسسات الدينية في ظل التحديات الجيوسياسية الراهنة.


