في بعض المراثي، لا تبكي الكلمات الغائب فقط، بل تبكي نفسها أيضاً. تتأثر اللغة، ويضيق الشعر عن حمل الفاجعة، فيغدو النص أقرب إلى أنين طويل. هكذا بدت قصيدة الشاعرة عائشة النويمي وهي تودّع زوجها الأديب والناقد السعودي الراحل سعيد السريحي؛ نصّاً يخرج من القلب قبل أن يمرّ على العروض، ومن الذاكرة قبل أن يستقرّ في القافية. هذه مرثية عائشة النويمي التي لم تكن مجرد رثاء تقليدي، بل محاولة يائسة للإمساك بظل رجل غادر، تاركاً في البيت فراغاً أكبر من اللغة. لم تكن النويمي تكتب رثاءً تقليدياً، بل كانت تكتب محاولة يائسة للإمساك بظل رجل غادر، تاركاً في البيت فراغاً أكبر من اللغة. ولهذا قالت بصدق موجع إن القصيدة جاءت «أشلاءً من الكلام الموزون أحياناً.. والمختل أحياناً»، وكأن الحزن نفسه تمرد على قوانين الشعر، ورفض أن يُصاغ في قالب منتظم.
سعيد السريحي: قامة أدبية وفكرية راسخة
كان سعيد السريحي، رحمه الله، أحد أبرز الوجوه الثقافية والأدبية في المملكة العربية السعودية والعالم العربي. لم يكن مجرد أديب يكتب، بل ناقداً فذاً ترك بصمات واضحة في المشهد الثقافي من خلال مقالاته ودراساته التي اتسمت بالعمق والتحليل الرصين. اشتهر بفكره النقدي المستنير وقدرته على تفكيك النصوص الأدبية وتقديم قراءات جديدة ومبتكرة، مما جعله مرجعاً للعديد من الباحثين والمهتمين بالأدب. كان حضوره الفكري مؤثراً، سواء في المحافل الثقافية أو عبر كتاباته التي كانت تتناول قضايا الأدب والفكر والمجتمع بجرأة وموضوعية. رحيله مثل خسارة كبيرة للساحة الثقافية التي فقدت بوفاته صوتاً نقدياً أصيلاً ومفكراً مستنيراً.
“سعيد”: من اسم إلى معنى الحياة
تفتتح القصيدة ببيت سيبقى طويلاً في ذاكرة القارئ: «لكل سعيدٍ في الحياة مرادُ/ وأنا مرادي في الحياة سعيدُ». هنا، لا يظهر اسم الراحل بوصفه شخصياً فقط، بل يتحول إلى معنى للحياة نفسها. فـ«سعيد» ليس زوجاً غائباً فحسب، بل هو المراد، والطمأنينة، والعمر الذي كانت الشاعرة تتكئ عليه في مواجهة الأيام. لذلك، بدأ الرحيل وكأنه اقتلاع لمعنى الحياة لا لشخص منها. في هذا البيت تحديداً، تتجلى براعة العاطفة الصافية؛ إذ استطاعت النويمي أن تبني مفارقة لغوية وإنسانية مؤلمة بين الاسم والمعنى، بين «السعيد» الذي غاب، والحياة التي فقدت سعادتها برحيله.
رثاء يواجه الموت بالدهشة لا الفلسفة
القصيدة لا تصرخ بقدر ما تتساءل، ثمة دهشة طفولية تقف أمام الموت عاجزة عن التصديق: «عجباً سعيد… كيف انطفأت بدون عيد/ وبدون أمنية أخيرة… أو ردود؟!». إنها لا تناقش فكرة الموت فلسفياً، بل تواجهها بعاطفة الزوجة التي كانت تؤمن بأن للحياة بقية، وأن هناك موعداً مؤجلاً، وحديثاً لم يكتمل، وأمنية كان ينبغي أن تُقال قبل الرحيل. وتبدو كلمة «انطفأت» من أكثر المفردات قسوة في النص؛ فهي لا تصف الموت بوصفه نهاية جسد، بل انطفاء نور كان يملأ المكان دفئاً ومعنى.
سيرة منزلية حميمية تتجاوز البلاغة
في مقاطع أخرى، يتحول الرثاء إلى سيرة منزلية لرجل فقدت روحه: «يا مؤنسي ورفيق دربي.. عالمي.. أركان بيتي». فالزميل السريحي هنا ليس كما عرفناه في «عكاظ» اسماً ثقافياً أو ناقداً معروفاً فحسب، بل كان في قصيدة النويمي «أركان البيت»، أي ذلك الحضور اليومي الذي يمنح الأشياء معانيها. ولهذا جاء الرثاء منزلياً، حميمياً، بعيداً عن البلاغة المتكلفة، وكأن القارئ يتلصص على حوار خاص بين زوجة وفقيدها. ولعل أكثر ما يمنح النص تأثيره هو صدقه المتجرد؛ إذ لا تحاول النويمي أن تبدو شاعرة بقدر ما تبدو امرأة مكسورة تحاول النجاة بالكلمات.
تأثير الرحيل في المشهد الثقافي
إن رحيل قامة بحجم سعيد السريحي لا يمثل خسارة شخصية فحسب، بل يمتد تأثيره ليطال المشهد الثقافي بأكمله. فالمثقفون والنقاد الذين أمضوا حياتهم في إثراء الفكر والأدب يتركون خلفهم فراغاً يصعب ملؤه. وتأتي مرثية عائشة النويمي لتكون أكثر من مجرد تعبير عن حزن شخصي؛ إنها وثيقة حب طويلة بين روحين جمعهما العمر، ثم فرقهما الموت مؤقتاً. هذه القصيدة، بصدقها وعمقها، تساهم في تخليد ذكرى السريحي ليس فقط كشخصية أدبية، بل كإنسان ترك أثراً عميقاً فيمن حوله، وفي الذاكرة الجمعية للمثقفين. إنها تذكرنا بأن الإرث الحقيقي للمبدعين لا يقتصر على أعمالهم المكتوبة، بل يمتد ليشمل الأثر الإنساني الذي يتركونه في قلوب من أحبوهم ومن تأثروا بفكرهم.
تختتم النويمي قصيدتها باعتراف يشبه الاستسلام: «حاولت … حتى دقّ قلبي! فلن أزيد… ولن أعيد!». وكأنها تعلن أن الحزن بلغ حده الأقصى، وأن اللغة مهما اتسعت تعجز عن إعادة الغائب أو تضميد الفقد. إنها قصيدة لا تُقرأ بوصفها نصاً أدبياً فحسب، بل بوصفها وثيقة حب طويلة بين روحين جمعهما العمر، ثم فرقهما الموت مؤقتاً. ولهذا بدت المرثية أقرب إلى «نشيد وداع» هادئ، كتبه قلب يعرف أن بعض الأحبة لا يغيبون تماماً، بل يتحولون إلى ذاكرة تسكننا إلى الأبد.


