في خطوة رائدة تعكس التزام المملكة العربية السعودية بالاستدامة والابتكار، كشفت أحدث البيانات الصادرة عن هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية عن نجاح مبادرة “دوّر جهازك” في تحقيق إنجازات “مذهلة” بنهاية عام 2025. هذه المبادرة الوطنية، التي تركز على إعادة تدوير الأجهزة الإلكترونية، نجحت في تحويل مئات الآلاف من الأجهزة المهملة في المنازل والمكاتب من مجرد “نفايات إلكترونية” إلى ثروة اقتصادية تجاوزت قيمتها السوقية 120 مليون ريال سعودي. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية، بل هو دليل ملموس على الوعي المجتمعي المتزايد والجهود الحكومية الفاعلة في إدارة الموارد.
تحدي النفايات الإلكترونية: سياق عالمي وحلول وطنية
تُعد النفايات الإلكترونية، أو ما يُعرف بـ “الخردة الإلكترونية”، أحد أسرع تيارات النفايات نموًا على مستوى العالم. فمع التطور التكنولوجي المتسارع وزيادة الاعتماد على الأجهزة الذكية والحواسيب، تتراكم ملايين الأطنان من هذه النفايات سنويًا، حاملةً معها تحديات بيئية وصحية جسيمة. تحتوي هذه الأجهزة على مواد خطرة مثل الرصاص والزئبق والكادميوم، والتي يمكن أن تتسرب إلى التربة والمياه الجوفية إذا لم يتم التخلص منها بشكل صحيح، مسببة تلوثًا بيئيًا واسع النطاق ومخاطر صحية للإنسان. في المقابل، تحتوي أيضًا على معادن ثمينة مثل الذهب والفضة والنحاس والبلاديوم، والتي يمكن استعادتها وإعادة استخدامها، مما يقلل من الحاجة إلى استخراج مواد خام جديدة ويحافظ على الموارد الطبيعية. إدراكًا لهذا التحدي العالمي، تبنت المملكة العربية السعودية استراتيجيات طموحة لمواجهة هذه المشكلة، متماشية مع رؤيتها 2030 التي تهدف إلى بناء بيئة مستدامة واقتصاد مزدهر.
“دوّر جهازك”: ركيزة للاقتصاد الدائري والشمول الرقمي في السعودية
منذ انطلاقها، أظهرت مبادرة “دوّر جهازك” قدرة استثنائية على حشد الجهود الوطنية. فقد نجحت في جمع أكثر من 400 ألف جهاز إلكتروني، بمساهمة فعالة من أكثر من 40 ألف فرد ومشاركة واسعة من القطاعين الحكومي والخاص. هذه الأرقام تعكس ليس فقط حجم الأجهزة التي تم إنقاذها من مكبات النفايات، بل أيضًا تنامي الوعي بأهمية إعادة تدوير الأجهزة الإلكترونية كجزء لا يتجزأ من المسؤولية المجتمعية. الأجهزة التي كان مصيرها سلة المهملات، تم استخلاص أكثر من 960 طنًا من المواد منها وإعادة إصلاحها، مما عزز بشكل كبير من مفهوم “الاقتصاد الدائري” في المملكة. هذا النموذج الاقتصادي يهدف إلى تقليل النفايات إلى أدنى حد ممكن من خلال إعادة الاستخدام والإصلاح والتدوير، بدلاً من النموذج الخطي التقليدي “الإنتاج-الاستهلاك-التخلص”.
أثر متعدد الأبعاد: بيئي، اقتصادي، وإنساني
لم يقتصر الأثر الإيجابي لمبادرة “دوّر جهازك” على الجانب البيئي والاقتصادي فحسب، بل امتد ليشمل أبعادًا إنسانية واجتماعية عميقة. فمن خلال تزويد أكثر من 120 جهة تعليمية وجمعية خيرية بالأجهزة المعاد تدويرها، ساهمت المبادرة في دعم التعليم وتضييق الفجوة الرقمية. كما مكنت الأسر المحتاجة من الحصول على أجهزة لوحية وحواسيب مجانية بعد صيانتها، مما يعزز الشمول الرقمي ويوفر فرصًا متكافئة للوصول إلى المعرفة والخدمات الرقمية. بيئيًا، ساهمت المبادرة في الحد من الانبعاثات الكربونية الناتجة عن التخلص غير الآمن من اللوحات الإلكترونية والمكونات الخطرة، مما يدعم أهداف المملكة في حماية البيئة ومكافحة التغير المناخي. هذه النتائج تؤكد أن الجهاز القديم المنسي في الدرج ليس مجرد قطعة خردة، بل هو جزء من مبادرة وطنية كبرى تهدف لرفع الوعي البيئي وتقليل الهدر.
رؤية 2030: نحو مستقبل مستدام وريادة في إدارة النفايات
تأتي هذه المبادرة ضمن إطار أوسع لجهود المملكة العربية السعودية لتحقيق أهداف رؤية 2030 الطموحة، والتي تولي اهتمامًا خاصًا للاستدامة البيئية وتطوير الاقتصاد الدائري. فبالتعاون مع وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات والمركز الوطني لإدارة النفايات (MWMC)، أثبتت “دوّر جهازك” أن العمل الجماعي والشراكات الفعالة بين القطاعين العام والخاص والمجتمع يمكن أن يحول “النفايات” إلى استثمار أخضر يدعم التنمية المستدامة. تهدف المملكة إلى أن تكون رائدة في مجال إدارة النفايات، ليس فقط على المستوى المحلي بل والإقليمي والدولي، من خلال تبني أفضل الممارسات والتقنيات الحديثة. هذه المبادرات لا تساهم فقط في حماية البيئة وتوفير الموارد، بل تخلق أيضًا فرص عمل جديدة وتدعم الابتكار في قطاع إعادة تدوير الأجهزة الإلكترونية، مما يعزز مكانة السعودية كنموذج يحتذى به في التنمية المستدامة.


