أعرب الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، اليوم، عن رغبته في تعليق ضريبة البنزين الاتحادية البالغة 18 سنتاً لفترة من الزمن، وذلك في ظل استمرار ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة. تأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه الأسواق العالمية تقلبات كبيرة، مدفوعة بعوامل جيوسياسية واقتصادية متعددة. ورغم إشارته إلى إمكانية تعليق الضريبة، استبعد ترمب أي تخفيف محتمل لتكاليف الوقود لشركات الطيران، معتبراً أن وضعها “ليس سيئاً”.
وفي مقابلة مع شبكة (سي.بي.إس نيوز)، أوضح ترمب رؤيته قائلاً: “سنلغي ضريبة البنزين لفترة من الزمن، وعندما تنخفض أسعاره سنعود لفرضها تدريجياً”. هذا النهج يعكس محاولة لتخفيف العبء المالي عن المستهلكين الأمريكيين الذين يواجهون ارتفاعاً مستمراً في تكاليف المعيشة. وقد أكد وزير الطاقة السابق في إدارته، كريس رايت، لشبكة (إن.بي.سي نيوز) أن إدارة ترمب كانت منفتحة على فكرة تعليق ضريبة البنزين الاتحادية، مما يشير إلى أن الفكرة ليست جديدة تماماً على الأجندة السياسية.
خلفية تاريخية لضريبة البنزين الاتحادية
تُعد ضريبة البنزين الاتحادية جزءاً لا يتجزأ من نظام تمويل البنية التحتية في الولايات المتحدة منذ عقود. فُرضت هذه الضريبة لأول مرة في عام 1932، وتهدف بشكل أساسي إلى تمويل صندوق الطرق السريعة (Highway Trust Fund)، الذي يُستخدم لصيانة وتطوير الطرق والجسور ومشاريع النقل الأخرى. تبلغ الضريبة الحالية 18.4 سنتاً لكل غالون من البنزين و24.4 سنتاً لكل غالون من الديزل، ولم يتم رفعها منذ عام 1993. على مر السنين، أصبحت هذه الضريبة مصدراً حيوياً للإيرادات التي تدعم البنية التحتية الحيوية للبلاد. النقاش حول تعليق ضريبة البنزين الاتحادية يبرز التوتر الدائم بين الحاجة إلى إيرادات ثابتة للبنية التحتية والرغبة في تخفيف الأعباء المالية عن المواطنين، خاصة في أوقات الأزمات الاقتصادية أو ارتفاع أسعار الطاقة.
لماذا يرتفع سعر البنزين الآن؟
شهدت أسعار البنزين ارتفاعاً ملحوظاً منذ بداية عام 2022، متأثرة بشكل كبير بالتوترات الجيوسياسية العالمية، وعلى رأسها الغزو الروسي لأوكرانيا الذي بدأ في أواخر فبراير 2022. هذا الصراع أدى إلى اضطرابات في أسواق الطاقة العالمية، حيث تُعد روسيا أحد أكبر منتجي النفط والغاز في العالم. بالإضافة إلى ذلك، تلعب عوامل أخرى دوراً في ارتفاع الأسعار، مثل زيادة الطلب العالمي مع تعافي الاقتصادات من جائحة كوفيد-19، ونقص الاستثمار في البنية التحتية لإنتاج النفط، وتأثير العقوبات الاقتصادية على الدول المنتجة. في الولايات المتحدة، تشير بيانات جمعية السيارات الأمريكية (AAA) إلى أن متوسط سعر الغالون الواحد من البنزين قد وصل إلى مستويات قياسية في فترات معينة، متجاوزاً 4.50 دولار، مما يضع ضغطاً كبيراً على ميزانيات الأسر والشركات.
التأثيرات المحتملة لتعليق الضريبة
إن قرار تعليق ضريبة البنزين الاتحادية، إذا ما تم اتخاذه، سيكون له تداعيات اقتصادية وسياسية واسعة النطاق. على الصعيد المحلي، سيشعر المستهلكون بتخفيف فوري في أسعار الوقود، مما قد يؤدي إلى زيادة القوة الشرائية وتحفيز الإنفاق في قطاعات أخرى. هذا الإجراء يمكن أن يكون له تأثير إيجابي على معنويات المستهلكين، خاصة في مواسم السفر والعطلات. ومع ذلك، يثير هذا القرار مخاوف بشأن تمويل صندوق الطرق السريعة، الذي يعتمد بشكل كبير على إيرادات هذه الضريبة. قد يؤدي تعليق الضريبة إلى فجوة تمويلية كبيرة، مما يؤثر على مشاريع البنية التحتية الحيوية ويؤجل صيانتها وتطويرها. يرى بعض الاقتصاديين أن التخفيضات الضريبية قد لا تنتقل بالكامل إلى المستهلكين، حيث قد تستوعب محطات الوقود جزءاً من التخفيضات لزيادة هوامش أرباحها. على الصعيد السياسي، يمكن أن يكون هذا القرار ورقة رابحة للرئيس أو المرشحين في الانتخابات، حيث يُنظر إليه على أنه استجابة مباشرة لمخاوف الناخبين بشأن التضخم وتكاليف المعيشة.
تجدر الإشارة إلى أن الولايات الأمريكية تفرض أيضاً ضرائب خاصة بها على البنزين، وقد اتخذت بعض الولايات خطوات مماثلة لتخفيف العبء عن مواطنيها. على سبيل المثال، قامت ولايات مثل إنديانا وكنتاكي وجورجيا بتعليق أو تخفيض ضرائب الوقود الخاصة بها في أوقات سابقة، استجابة لارتفاع الأسعار. هذا يوضح أن هناك سابقة لمثل هذه الإجراءات على مستوى الولايات، مما يعزز النقاش حول إمكانية تطبيقها على المستوى الاتحادي.
في الختام، يمثل مقترح تعليق ضريبة البنزين الاتحادية حلاً محتملاً لتخفيف الضغط على المستهلكين في ظل ارتفاع أسعار الوقود. ومع ذلك، فإنه يطرح تحديات كبيرة تتعلق بتمويل البنية التحتية الوطنية، مما يستدعي دراسة متأنية للآثار الاقتصادية والاجتماعية طويلة الأجل قبل اتخاذ أي قرار نهائي.


