هيمنت مخاوف التجسس خلال زيارة ترمب إلى الصين على الأجواء الدبلوماسية، حيث اتخذ الوفد الأمريكي، وعلى رأسه الرئيس دونالد ترمب، إجراءات أمنية غير مسبوقة لحماية الاتصالات والمعلومات الحساسة. فبينما وصف ترمب اجتماعه مع نظيره الصيني شي جين بينغ بأنه “رائع”، كانت كواليس الزيارة تعكس واقعًا مختلفًا من الحذر الشديد، حيث تحرك الوفد بأكمله من مسؤولين ومساعدين وعناصر أمن بدون هواتفهم وأجهزتهم الشخصية، معتمدين على أجهزة “نظيفة” ومؤقتة تم إعدادها خصيصًا لهذه المهمة.
تأتي هذه الإجراءات الصارمة في سياق تاريخ طويل من التوتر الرقمي والاتهامات المتبادلة بالتجسس الإلكتروني بين واشنطن وبكين. فلعقود، اتهمت الولايات المتحدة جهات فاعلة مدعومة من الدولة الصينية بشن حملات تجسس سيبراني واسعة النطاق استهدفت مؤسسات حكومية أمريكية وشركات كبرى وبنية تحتية حيوية. حوادث شهيرة مثل اختراق بيانات مكتب إدارة شؤون الموظفين الأمريكي (OPM) في عام 2015، والذي أدى إلى سرقة بيانات ملايين الموظفين الفيدراليين، رسخت قناعة لدى الأجهزة الأمنية الأمريكية بأن الصين تمثل تحديًا استخباراتيًا كبيرًا في الفضاء الرقمي. هذا المناخ من عدم الثقة يجعل أي زيارة رفيعة المستوى إلى الأراضي الصينية بمثابة عملية أمنية معقدة، حيث يُفترض أن كل شبكة واتصال يخضعان للمراقبة.
بروتوكولات أمنية في بيئة عالية المخاطر
نظرًا لاعتبار الصين واحدة من أكثر البيئات الرقمية مراقبة في العالم، فإن البروتوكولات الأمنية للوفد الأمريكي تجاوزت الإجراءات المعتادة. تم تزويد أعضاء الوفد بهواتف وحواسيب محمولة مؤقتة، تم مسحها وتجهيزها ببرامج أساسية فقط لتقليل مخاطر الاختراق. وحذر خبراء الأمن السيبراني، مثل المسؤولة السابقة في الخدمة السرية الأمريكية بيل غايج، من أن “الصين دولة مراقبة جماعية”، وأن أي جهاز يتصل بشبكاتها المحلية يصبح عرضة للخطر.
شملت التحذيرات تجنب استخدام أي بنية تحتية محلية غير موثوقة، بما في ذلك شبكات الإنترنت اللاسلكية (Wi-Fi) في الفنادق ومنافذ الشحن العامة (USB)، خوفًا من هجمات تُعرف باسم “Juice Jacking”، والتي يمكن من خلالها زرع برمجيات خبيثة أو سرقة البيانات عبر كابل الشحن. ولذلك، حمل الوفد معه معدات شحن معتمدة وبطاريات خارجية. وللمحادثات الحساسة، تم الاعتماد على منشآت اتصالات آمنة ومؤقتة تُعرف بـ (SCIF)، وهي غرف معزولة إلكترونيًا لمنع أي شكل من أشكال التنصت. هذه الإجراءات أعادت الدبلوماسية جزئيًا إلى عصر ما قبل الرقمنة، حيث أصبحت الوثائق الورقية أكثر حضورًا من الملفات الرقمية.
أبعاد دبلوماسية واقتصادية للزيارة
على الرغم من الأجواء الأمنية المشحونة، حملت الزيارة أهمية دبلوماسية واقتصادية كبرى. فقد كانت أول قمة مباشرة بين الزعيمين منذ أكثر من عام، وهدفت إلى إدارة الخلافات المتزايدة بين أكبر اقتصادين في العالم. وشهدت القمة حضور عدد من كبار التنفيذيين الأمريكيين، مثل إيلون ماسك وتيم كوك، مما يعكس أهمية السوق الصينية للشركات الأمريكية الكبرى. لكن حتى هذا الحضور الاقتصادي لم يخلُ من التوترات، خاصة مع سعي واشنطن لتقييد وصول الصين إلى أشباه الموصلات المتقدمة. وبينما كانت الكلمات العلنية تتحدث عن الشراكة والتعاون، كانت الإجراءات الأمنية تروي قصة منافسة استراتيجية عميقة، حيث لا يمكن فصل التكنولوجيا والأمن عن الاقتصاد والسياسة في العلاقات الأمريكية الصينية الحديثة.


