في تلويحة وداع أخيرة، ترجل فارس الكلمة الناقد والأديب السعودي البارز، الدكتور سعيد السريحي، عن صهوة الحياة، تاركاً خلفه إرثاً ثقافياً وفكرياً كبيراً، وفراغاً يصعب ملؤه في المشهد الثقافي السعودي والعربي. رحيله لم يكن مجرد غياب لاسم لامع، بل كان بمثابة انطفاء شعلة من الفكر المستنير، ونافذة أُغلقت بعد أن هبّت منها رياح النقد الجريء والتحليل العميق لعقود طويلة.
مسيرة سعيد السريحي: رحلة فكرية حافلة
لم يكن الدكتور سعيد السريحي مجرد كاتب عابر، بل كان مؤسسة فكرية قائمة بذاتها. انطلقت مسيرته الأكاديمية من رحاب جامعة الملك عبد العزيز بجدة، حيث عمل أستاذاً للأدب والنقد، وأثرى العقول والأجيال من الطلاب والباحثين. لكن تأثيره الأكبر تجاوز أسوار الجامعة ليصل إلى عموم القراء عبر زاويته الصحفية الشهيرة في جريدة “عكاظ”، التي كانت منبراً حراً لطرح القضايا الاجتماعية والثقافية والفكرية بأسلوب يجمع بين السخرية اللاذعة والعمق الفلسفي، مما جعل مقالاته وجبة دسمة ينتظرها القراء بشغف.
عُرف السريحي بقدرته الفائقة على تفكيك النصوص وتحليل الخطابات، سواء كانت أدبية أم سياسية أم اجتماعية. كانت كتاباته بمثابة مرآة تعكس تحولات المجتمع، حيث لم يتردد يوماً في تسليط الضوء على مكامن الخلل، والدعوة إلى التجديد ومواكبة العصر، مع التمسك بجذور الهوية الثقافية العربية. ترك خلفه عشرات المؤلفات النقدية والأدبية التي تُعد اليوم مراجع هامة للدارسين، من أبرزها “الكتابة خارج الأقواس” و”غواية الاسم”.
بصمة لا تُمحى في ذاكرة الثقافة
يكمن الأثر الأهم لرحيل شخصية بحجم الدكتور سعيد السريحي في الفراغ الذي يتركه في فضاء النقاش العام. لقد كان صوتاً للعقل والمنطق في زمن تتعالى فيه الأصوات الشعبوية. استطاع بقلمه أن يخلق حوارات واسعة، وأن يدفع بالكثيرين إلى إعادة التفكير في المسلمات. لم يكن ناقداً للأدب فحسب، بل كان ناقداً للحياة، يقرأ ما بين سطور الأحداث اليومية ويقدمها للقارئ في قالب رشيق ومكثف، محفزاً على التفكير النقدي.
على الصعيدين المحلي والإقليمي، يُعد غيابه خسارة فادحة للساحة الفكرية التي تحتاج دوماً إلى أقلام حرة ومستقلة مثله. لقد ألهم جيلاً كاملاً من الكتاب والمثقفين الذين رأوا فيه نموذجاً للكاتب الملتزم بقضايا مجتمعه، والذي لا يخشى في قول الحق لومة لائم. ومع رحيله، تبقى كلماته ومواقفه شاهدة على مسيرة رجل وهب حياته للفكر والقلم، وفتح نوافذ الأمل نحو رياح التغيير والتنوير.


