spot_img

ذات صلة

جدل جامعة الفنون: هل تدرس السعودية الفن بالعربية أم الإنجليزية؟

أثار الإعلان عن تأسيس أول جامعة للفنون في المملكة العربية السعودية، كأحد مخرجات رؤية 2030 الطموحة، عاصفة من الجدل في الأوساط الثقافية والفنية. لم يكن النقاش حول أهمية الخطوة، التي يُجمع الكل على ضرورتها، بل انقسمت الآراء بشكل حاد حول قضية جوهرية: لغة التدريس. فبينما يرى فريق أن اعتماد اللغة الإنجليزية هو السبيل نحو العالمية ومواكبة أحدث المعارف، يتمسك فريق آخر باللغة العربية باعتبارها الحاضنة الأصيلة للهوية والوعاء الذي لا يمكن فصل الإبداع المحلي عنه، لتشتعل معركة فكرية حول مستقبل وهوية الفنان السعودي.

رؤية 2030 وإحياء المشهد الثقافي

يأتي هذا الجدل في سياق تحول وطني شامل تقوده رؤية السعودية 2030، التي وضعت الثقافة والفنون كأحد محاورها الأساسية لتنويع الاقتصاد وتحسين جودة الحياة. شهدت السنوات الأخيرة تأسيس هيئات متخصصة تابعة لوزارة الثقافة تغطي مختلف القطاعات الإبداعية من السينما والموسيقى إلى الفنون البصرية والأدب. وفي هذا الإطار، يمثل تأسيس جامعة متخصصة للفنون تتويجاً لهذه الجهود، بهدف صقل المواهب المحلية وتأهيل جيل جديد من المبدعين القادرين على قيادة المشهد الثقافي السعودي نحو آفاق جديدة. إلا أن هذا المشروع الطموح وضع المثقفين أمام سؤال مصيري حول المنهجية التي ستشكل عقول هؤلاء الفنانين، وأي لغة ستكون الأقدر على التعبير عن إبداعهم ونقله للعالم.

لغة الإبداع في جامعة الفنون: العالمية أم الخصوصية؟

انقسمت الآراء بين تيارين رئيسيين. يدافع التيار الأول، الذي يمثله الفنان ناصر القصبي، عن الانفتاح الكامل على اللغات الأخرى. وفي تغريدة له عبر منصة “إكس”، استغرب القصبي من “فوبيا الهوية”، قائلاً: “شخصياً لا أرى مانعاً في استخدام أي لغة لتدريس الفنون”. وشبّه الأمر بتدريس الطب والهندسة باللغة الإنجليزية في الجامعات السعودية، مؤكداً أن خريج جامعة الفنون لن ينسلخ من جلده أو يتنكر لموروثه لمجرد أنه درس بعض المواد بالإنجليزية، بل “سيكون أكثر التصاقاً بأرضه وأكثر قدرة على التعبير عن هويته، وأكثر انفتاحاً على العالم كله”.

على النقيض تماماً، يقف تيار آخر يرى في تدريس الفنون بالإنجليزية “كارثة” ثقافية، كما وصفها الناقد الدكتور سعد البازعي. يرى هذا الفريق أن الفن، بخلاف العلوم البحتة، مرتبط عضوياً باللغة والوجدان والذاكرة الجمعية. وحذر البازعي من أن تدريس الفنون للطلاب السعوديين بالإنجليزية هو “وضع غريب”، مستشهداً بتجربته الأكاديمية حين أصر على الحديث بالعربية خلال مناقشة رسائل الماجستير في قسم اللغة الإنجليزية، وربط موقفه بكتاب المفكر الكيني نغوجي وا ثيونغو “إزالة الاستعمار عن العقل”. ويؤكد هذا الرأي الدكتور صالح زياد، الذي يفرق بين الاستفادة من المصطلحات والمراجع العالمية، وبين تحويل لغة التكوين الفني نفسها إلى الإنجليزية، معتبراً أن الفنون “خبرة متصلة باللغة والذاكرة والخيال والوجدان الاجتماعي”، وأن تعريب المعرفة الفنية ليس ترفاً بل ضرورة إبداعية.

تداعيات القرار على هوية المنتج الفني

يمتد تأثير هذا القرار إلى ما هو أبعد من أروقة الجامعة، ليطال طبيعة المنتج الفني السعودي مستقبلاً. فالمدافعون عن العربية، مثل الدكتور عبدالله الجديع، يرون أن إجبار الطالب على استلهام موروثه الشعبي “بعيون غربية ومصطلحات أجنبية” سيؤدي إلى “اغتراب يفصل الفن عن جذوره” وإنتاج فن “هجين يفتقد للعمق الثقافي”. بينما يرى المؤيدون للمناهج المزدوجة، مثل الدكتور عبدالله الغذامي الذي كشف عن تواصل فريق المقررات معه، أن الجمع بين اللغتين يمثل “ثراءً معرفياً”، حيث ستكون بعض المقررات بالعربية وأخرى بالإنجليزية. ويبقى السؤال معلقاً: هل سيتمكن الفنان السعودي القادم من تطويع الأدوات المعرفية العالمية للتعبير عن قصته المحلية بصدق وعمق، أم أن اللغة ستتحول إلى حاجز يعزله عن ينابيعه الأولى؟ إن الإجابة على هذا السؤال سترسم ملامح الثقافة السعودية لعقود قادمة.

spot_imgspot_img