spot_img

ذات صلة

لبنان أمام اختبار ميداني: مهلة 45 يوماً لحل أزمة الحدود

دخلت الساحة اللبنانية مرحلة حاسمة مع بدء سريان مهلة الـ45 يوماً التي نتجت عن الجولة الثالثة من المفاوضات غير المباشرة في واشنطن، ليجد لبنان أمام اختبار ميداني وسياسي جديد قد يرسم ملامح المستقبل على حدوده الجنوبية. هذه المهلة، التي تبدو في حسابات القوى الدولية والإقليمية نافذة زمنية مصممة بعناية لشراء الوقت، تضع جميع الأطراف أمام استحقاق دقيق: إما بناء ترتيبات أمنية وسياسية دائمة وقابلة للتنفيذ، أو العودة إلى مربع التصعيد الميداني الذي يهدد باستقرار المنطقة بأكملها.

جذور التوتر على الحدود الجنوبية وسياق المفاوضات

لم يأتِ هذا الاختبار من فراغ، فالحدود اللبنانية الإسرائيلية تشكل إحدى أكثر الجبهات حساسية في الشرق الأوسط منذ عقود. ويستند الإطار الدولي لضبط الوضع على هذه الحدود إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، الذي أنهى حرب يوليو 2006 ونص على وقف شامل للأعمال العدائية ونشر الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل في جنوب نهر الليطاني. إلا أن التوترات ظلت قائمة، وشهدت الجبهة تصعيداً كبيراً منذ الثامن من أكتوبر 2023، تزامناً مع اندلاع الحرب في قطاع غزة، ما أعاد فتح ملف الترتيبات الأمنية على الحدود بقوة. وتأتي الجهود الدبلوماسية الأمريكية، التي تقودها واشنطن، كمحاولة لمنع انزلاق هذا التصعيد إلى حرب شاملة قد تكون مدمرة للبنان والمنطقة.

مساران متوازيان: حين تدخل دبلوماسية البنتاغون على الخط

ما يميز هذه المرحلة هو التحول في آلية التفاوض. فبعد تعثر إصدار “إعلان نوايا” مشترك في واشنطن، تم استبداله بآلية أكثر تعقيداً تتمثل في إطلاق “مسار أمني موازٍ للمسار السياسي”. عملياً، يعني هذا أن الملف اللبناني لم يعد يدار حصراً عبر القنوات الدبلوماسية لوزارة الخارجية الأمريكية، بل دخل البنتاغون كطرف أساسي في رعايته. وتربط هذه الآلية أي تقدم سياسي مستقبلي بمدى القابلية لتطبيق ترتيبات أمنية مشددة على الأرض، تشمل آليات تنسيق ورقابة مباشرة على طول “الخط الأزرق” وفي منطقة جنوب الليطاني. هذا التطور يضع لبنان أمام اختبار ميداني يتطلب توازناً دقيقاً بين السيادة الوطنية والالتزامات الدولية.

تباين داخلي ومخاوف من “إملاءات” خارجية

داخلياً، تعكس الأجواء السياسية في بيروت تبايناً واضحاً في قراءة أبعاد هذه المهلة. فبينما تسعى الحكومة اللبنانية إلى تثبيت التهدئة وضمان وقف شامل للأعمال العدائية في كافة المناطق الجنوبية، تبدي أطراف سياسية أخرى، وعلى رأسها حزب الله، مخاوف جدية من أن تكون هذه الترتيبات الأمنية المقترحة مقدمة لفرض شروط تمس بالثوابت الوطنية. وقد حذر الحزب من مغبة الرضوخ لما وصفها بـ”الإملاءات الخارجية” أو القبول بتسويات قد تنتقص من سيادة لبنان أو تتجاوز القوانين المرعية، مثل قانون مقاطعة إسرائيل. هذا الوضع يضع الأطراف اللبنانية أمام معضلة التوفيق بين متطلبات المجتمع الدولي والحفاظ على التوازن الداخلي الهش، ما يجعل من مهلة الـ45 يوماً “مرحلة الاختبار الصعبة” التي ستحدد مسار الأحداث في الفترة المقبلة.

spot_imgspot_img