تشهد الساحة السودانية تطورات ميدانية متسارعة، حيث ضربت موجة جديدة من الانشقاقات في قوات الدعم السريع صفوف المليشيا، متمثلة في استسلام مجموعة عسكرية جديدة تضم 45 مقاتلاً بكامل عتادهم الحربي للجيش السوداني في مدينة أم درمان. وتأتي هذه الخطوة لتؤكد عمق الأزمة الداخلية والانهيارات المتتالية التي تواجهها القوات المتمردة في مختلف جبهات القتال، لا سيما مع تسليم المنشقين لمركبات عسكرية حديثة وأسلحة ثقيلة، مما يمثل ضربة قوية لبنيتها اللوجستية والعسكرية في وقت حساس من عمر الصراع.
تفاصيل الهروب الكبير: أسباب تصاعد الانشقاقات في قوات الدعم السريع
ضمت المجموعة المستسلمة مؤخراً في أم درمان قيادات بارزة ميدانياً، من بينهم عثمان النور، ويونس إدريس، وعلي الزين، وهم من كبار القادة القادمين من مدينة بارا بولاية شمال كردفان. وعزا هؤلاء القادة قرار انشقاقهم وتسليم أنفسهم للجيش السوداني إلى تفشي التمييز العنصري والقبلي داخل أروقة الدعم السريع، فضلاً عن عدم الإيفاء بالحقوق المالية واللوجستية للمقاتلين، وغياب القضية الوطنية التي يقاتلون من أجلها.
وفي هذا السياق، رحب القائد المنشق السابق النور القبة بالمجموعات المستسلمة، مؤكداً أن هناك فصائل أخرى تستعد لاتخاذ الخطوة ذاتها قريباً نتيجة الهزائم المتتالية التي تتلقاها المليشيا في إقليم كردفان. كما كشف القيادي المستسلم عثمان النور عن انهيارات واسعة تعيشها القوات في مختلف المحاور، داعياً بقية زملائه إلى اغتنام الفرصة والانضمام إلى صفوف القوات المسلحة السودانية.
جذور الصراع السوداني: من الشراكة إلى الصدام المسلح
يعود الصراع الحالي في السودان إلى منتصف أبريل من العام 2023، عندما اندلعت مواجهات عنيفة بين الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي). هذا الصراع جاء بعد أسابيع من التوترات المتصاعدة بشأن خطط دمج الدعم السريع في الجيش النظامي كجزء من الانتقال الديمقراطي المقترح.
تأسست قوات الدعم السريع في الأصل من مليشيات الجنجويد التي نشطت في إقليم دارفور، وتحولت بمرور الوقت إلى قوة موازية تتمتع بنفوذ مالي وعسكري كبير. ومع فشل التوافق السياسي، تحول الخلاف إلى حرب شاملة تسببت في كارثة إنسانية غير مسبوقة، ونزوح ملايين السودانيين داخلياً وخارجياً، وتدمير واسع للبنية التحتية في العاصمة الخرطوم ومدن أخرى مثل أم درمان والفاشر.
الأبعاد الاستراتيجية: كيف تؤثر هذه الانشقاقات في قوات الدعم السريع محلياً وإقليمياً؟
تحمل ظاهرة الانشقاقات في قوات الدعم السريع دلالات بالغة الأهمية على الصعيدين المحلي والدولي. محلياً، تسهم هذه الانشقاقات في تعزيز الموقف الميداني للجيش السوداني وتمنحه تفوقاً معنوياً كبيراً، كما تكشف عن تآكل الحاضنة الاجتماعية والقبلية التي كانت تعتمد عليها المليشيا في حشد المقاتلين، خاصة في مناطق كردفان ودارفور.
إقليمياً ودولياً، يرى المراقبون أن تفكك الدعم السريع من الداخل يضعف موقفها التفاوضي في أي محادثات سلام مستقبلية، ويؤكد للمجتمع الدولي عدم تماسك هذه القوات ككيان عسكري موحد. هذا التصدع قد يدفع القوى الإقليمية والدولية المعنية بالملف السوداني إلى إعادة تقييم استراتيجياتها، والتركيز على دعم مؤسسات الدولة الشرعية ممثلة في القوات المسلحة لضمان استقرار السودان ووحدة أراضيه، ومنع انزلاق المنطقة إلى فوضى أوسع قد تهدد أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي.


