في مشهد يعكس حجم المأساة التي تعصف بالسودان، أعادت صور صادمة لمنزل الأديب العالمي الراحل عبد الله الطيب في حي برِّي العريق بالخرطوم، تسليط الضوء على الخسائر الثقافية الفادحة التي تخلفها الحرب. لم تكن الكارثة مجرد دمار لمبنى تاريخي، بل كانت بمثابة حريق التهم ذاكرة أمة بأكملها، حيث تحولت مكتبة عبد الله الطيب ومقتنياته النادرة، التي شكلت لعقود جزءاً أصيلاً من الذاكرة الثقافية السودانية والعربية، إلى مجرد ركام وأطلال.
تداول ناشطون ومثقفون سودانيون على نطاق واسع صور المنزل الذي كان يُعرف بين زواره بأنه “متحف حي للفكر والفن”، وقد أصبح أثراً بعد عين. المشهد المؤلم، الذي وثقه الصحفي والمخرج الطيب صديق، كشف عن اختفاء كامل للمكتبة التي ضمت آلاف الكتب والمخطوطات النادرة، بالإضافة إلى مقتنيات فنية وتاريخية جمعها البروفيسور الطيب وزوجته الفنانة الإنجليزية غريزلدا على مدار رحلة حياتهما العلمية والثقافية الطويلة حول العالم.
منارة فكرية تحت نيران الصراع
يأتي هذا الدمار في سياق الصراع الدائر في السودان منذ أبريل 2023، والذي حول العاصمة الخرطوم ومدناً أخرى إلى ساحات قتال مفتوحة. وقد أصبحت الأحياء السكنية العريقة، مثل حي برّي، مسرحاً للاشتباكات العنيفة، مما عرض معالمها وسكانها وتراثها لخطر المحو. إن استهداف منزل عبد الله الطيب، سواء كان مقصوداً أم عرضياً، يمثل رمزية قاسية لفقدان البوصلة الإنسانية في أتون الحرب، حيث لا يصبح للتراث والثقافة أي حصانة أمام دوي المدافع وأزيز الرصاص. هذه الحادثة ليست معزولة، بل هي جزء من نمط تدمير ممنهج يطال المؤسسات التعليمية والمتاحف ودور المحفوظات، مهدداً بضياع الهوية والتاريخ السوداني.
عبد الله الطيب: قامة أدبية تجاوزت حدود السودان
لم يكن عبد الله الطيب مجرد أديب سوداني، بل كان أحد أبرز أعلام اللغة العربية والأدب في القرن العشرين. وُلد عام 1921، وتلقى تعليمه في السودان وبريطانيا، ليصبح ثالث سوداني ينال درجة الدكتوراه. مسيرته الأكاديمية الحافلة شملت توليه مناصب رفيعة كعمادة كلية الآداب بجامعة الخرطوم ورئاسة مجمع اللغة العربية في السودان، بالإضافة إلى عضويته في مجمع اللغة العربية بالقاهرة. ترك الطيب إرثاً علمياً ضخماً، أبرزه موسوعته الفريدة “المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها”، التي استغرق إعدادها 35 عاماً وتُعد مرجعاً أساسياً للباحثين. كما ارتبط اسمه ببرنامجه الإذاعي الشهير في تفسير القرآن الكريم، الذي أسهم في ترسيخ مكانته في الوجدان الثقافي العربي والإسلامي. تتويج مسيرته بجائزة الملك فيصل العالمية للأدب العربي عام 2000 كان اعترافاً دولياً بمكانته الرفيعة.
خسارة لا تعوض: ما الذي فقدته مكتبة عبد الله الطيب؟
وصف الصحفي الطيب صديق، الذي غامر بزيارة المنزل المدمر، هول الصدمة التي أصابته حين وجد المكان ركاماً. كان أمله العثور على أي كتب أو مقتنيات يمكن إنقاذها، لكنه لم يجد شيئاً. كان المنزل أشبه بتحفة فنية متكاملة، كل زاوية فيه تروي حكاية، من الأثاث والأقمشة التقليدية إلى الفوانيس والصواني المغربية وأباريق الشاي. كانت الجدران مزينة بلوحات فنية نادرة، والمكتبة تعج بنفائس الكتب والمخطوطات التي لا تقدر بثمن. إن فقدان هذه الكنوز لا يمثل خسارة لأسرة الراحل فحسب، بل هو محو لجزء حيوي من تاريخ السودان الفكري والفني، وصفحة مؤلمة في سجل الخسائر التي تتكبدها البلاد يومياً.


