spot_img

ذات صلة

اتفاق إطار لترتيبات جنوب لبنان: خطوة تاريخية نحو السيادة

شهدت العاصمة الأمريكية واشنطن حدثاً بارزاً تمثل في توقيع وثيقة ثلاثية تضع اتفاق إطار لترتيبات جنوب لبنان بمشاركة لبنانية وإسرائيلية ورعاية أمريكية مباشرة. ويأتي هذا التطور الاستراتيجي بعد أربعة أيام من المفاوضات الدبلوماسية المكثفة والمعقدة التي جرت خلف الكواليس بهدف إنهاء العمليات القتالية وتثبيت واقع أمني جديد في المنطقة الحدودية. وفي أول تعليق رسمي له، وصف الرئيس اللبناني جوزيف عون هذا الاتفاق بأنه خطوة أولى ومحورية على طريق استعادة الدولة اللبنانية لسيادتها الكاملة على أراضيها دون نقصان.

جذور الصراع الحدودي والمساعي الدولية المستمرة

يعود الصراع في جنوب لبنان إلى عقود طويلة من المواجهات العسكرية والاجتياحات الإسرائيلية المتكررة، والتي كان من أبرز محطاتها حرب عام 2006 التي انتهت بصدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701. ونص ذلك القرار على خلو المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني من أي سلاح غير سلاح الجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية (اليونيفيل). ومع ذلك، ظلت التوترات الأمنية مستمرة نتيجة الخروقات المتواصلة وغياب الترتيبات الأمنية المستدامة. ويأتي الاتفاق الحالي ليعيد صياغة المشهد الميداني بناءً على تفاهمات جديدة تسعى لتلافي ثغرات الماضي وتقديم ضمانات دولية أكثر حزماً للطرفين.

بنود اتفاق إطار لترتيبات جنوب لبنان والمرحلة التجريبية

تتضمن مذكرة التفاهم الموقعة عدة بنود رئيسية تهدف إلى إعادة ترتيب الوضع الأمني ميدانياً، ومن أبرزها:

  • تثبيت «الخط الأصفر»: تكريس بقاء الجيش الإسرائيلي مؤقتاً في منطقة الشريط الأمني (الخط الأصفر) مع الاحتفاظ بحرية العمل لإزالة أي تهديدات أمنية، وذلك إلى حين نزع سلاح حزب الله والتنظيمات المسلحة وإثبات قدرة الجيش اللبناني على فرض سيطرته الكاملة.
  • المرحلة التجريبية للانتشار: إطلاق مرحلة تجريبية فورية لانسحاب الجيش الإسرائيلي من مناطق محددة، يقابلها انتشار تدريجي للجيش اللبناني بإشراف ومساعدة مباشرة من القوات الأمريكية في منطقتين متجاورتين؛ الأولى غرب نهر السلوقي وجنوب الليطاني، والثانية شمال نهر الليطاني.
  • إنهاء النفوذ الإيراني: أكدت مصادر سياسية إسرائيلية رفيعة المستوى أن الهدف الجوهري من هذا الاتفاق هو تقويض النفوذ الإيراني في لبنان، ومنع طهران من فرض أي شروط أحادية، وضمان عدم وجود أي دور مستقبلي لها أو لحزب الله في صياغة مستقبل البلاد الأمني والسياسي.

جهود الربع ساعة الأخير ودور واشنطن

جاء التوقيع على الاتفاق بعد حراك دبلوماسي مكثف حبس الأنفاس في الساعات الأخيرة. وكشفت مصادر أمريكية مطلعة أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أجرى اتصالات هاتفية حاسمة ليل أمس بكل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس اللبناني جوزيف عون لتذليل العقبات الأخيرة. وعقب التوقيع، صرح روبيو قائلاً: «سيحتاج الأمر إلى الكثير من العمل، لكننا نعتقد أن هذه ستكون الخطوة الأولى، وهي خطوة صعبة. والشعب الإسرائيلي، خصوصاً سكان الشمال، يستحقون العيش بأمن وسلام».

الأبعاد الاستراتيجية والتأثيرات الإقليمية للاتفاق

يحمل هذا الاتفاق تداعيات كبرى على مختلف المستويات:

  • محلياً: يمهد الطريق لعودة آلاف النازحين اللبنانيين إلى قراهم ومدنهم المحررة، ويبدأ مرحلة إعادة الإعمار تحت مظلة السيادة الوطنية الكاملة للجيش اللبناني.
  • إقليمياً: يساهم في خفض حدة التوتر الإقليمي ويقلص من نفوذ القوى الإقليمية التي طالما استخدمت الساحة اللبنانية كمنطلق لتصفية الحسابات، مما يفتح الباب أمام استقرار نسبي في منطقة الشرق الأوسط.
  • دولياً: يمثل الاتفاق إنجازاً دبلوماسياً بارزاً للإدارة الأمريكية برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي رعت إدارته هذه المفاوضات وقدمت الضمانات اللازمة لإنجاحها، مما يعزز الدور الأمريكي كلاعب أساسي في صياغة الترتيبات الأمنية الدولية.

الرئيس جوزيف عون: عهد السيادة وإنهاء الوصاية

من بيروت، صاغ الرئيس اللبناني جوزيف عون السقف السياسي والسيادي اللبناني للاتفاق، موجهاً خطاباً حازماً للداخل والخارج. واستهل الرئيس عون كلمته بتقديم الشكر الجزيل للإدارة الأمريكية وعلى رأسها الرئيس دونالد ترامب على الجهود الاستثنائية التي بذلتها واشنطن في استضافة ورعاية المفاوضات ودعم الموقف اللبناني. كما أعرب عن تقديره للدول الشقيقة والصديقة التي واكبت هذه المرحلة الصعبة حرصاً على استقلال لبنان.

ووجه الرئيس عون تحية إجلال وتقدير للفريق اللبناني المفاوض من دبلوماسيين وعسكريين، مشيداً بجهودهم في متابعة المفاوضات «لحظة بلحظة وكلمة كلمة». كما عبر عن اعتزازه بصمود الشعب اللبناني وتضامنه الوطني في مواجهة العدوان والتهجير، مؤكداً أن هذا الاتفاق هو بداية الطريق لعودة اللبنانيين إلى أرضهم وبيوتهم «أحراراً كراماً، مرفوعي الرأس».

واختتم الرئيس اللبناني خطابه بقطع قسم حاسم يحدد ملامح المرحلة المقبلة، قائلاً: «نقسم على الاستمرار في العمل حتى إنجازه كاملاً، فلا يكون بعد احتلال ولا أسرى ولا تبعية ولا وصاية.. في ظل سيادة دولة لبنانية لا شريك لها في سيادتها على أرضها وشعبها. هذا ما يجمع عليه كل لبناني حر مسؤول شريف، وهذا عهدنا لهم وواجبنا تجاههم».

spot_imgspot_img