تناولت خطبة الجمعة في الحرمين الشريفين اليوم موضوعات إيمانية واجتماعية بالغة الأهمية تمس حياة المسلم اليومية وعلاقته بخالقه وبمجتمعه. حيث أوصى فضيلة الشيخ الدكتور ياسر بن راشد الدوسري في المسجد الحرام بتقوى الله وغض البصر، بينما ركز فضيلة الشيخ صلاح البدير في المسجد النبوي على التذكير بالآخرة في ظل اشتداد الحر، وحث على فضيلة سقي الماء والإحسان إلى الضعفاء والفقراء في هذه الأجواء الحارة.
توجيهات خطبة الجمعة في الحرمين الشريفين لحفظ الجوارح
في المسجد الحرام، استهل الشيخ الدكتور ياسر بن راشد الدوسري خطبته بالوصية بتقوى الله عز وجل، مؤكداً أنها سبيل الفوز والنجاة في الدنيا والآخرة. وأوضح أن من أعظم نعم الله على عباده نعمة البصر، والتي تستوجب الشكر المستمر باستعمالها فيما يرضي الله سبحانه وتعالى، محذراً من إطلاق النظر إلى المحرمات لما يترتب عليه من آثار سلبية وخيمة على القلب والدين والسلوك العام للمسلم.
وأشار الدوسري إلى أن الله تعالى جعل البصر وسيلة لمعرفة الحق والاهتداء إليه، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. وأكد أن غض البصر يعد من أجلّ العبادات التي تزكي النفوس وتحفظ الجوارح، في حين يمثل إطلاق النظر باباً واسعاً من أبواب الفتنة التي تورث تعلق القلب بالشهوات وتوقعه في الغفلة.
**media[2744607]**
الأثر النفسي والاجتماعي لغض البصر في العصر الرقمي
تطرق خطيب المسجد الحرام إلى التحديات المعاصرة التي يواجهها المسلم اليوم، لا سيما مع الانتشار الواسع لوسائل التقنية الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي وما تحمله من صور ومشاهد مخلة. وأوضح أن هذا واقع يتطلب من المسلم مراقبة ذاتية مضاعفة لله عز وجل، والابتعاد عن كل ما يثير الفتن.
وبين الشيخ الدوسري أن الشريعة الإسلامية الغراء لم تحرم الفواحش فحسب، بل حرمت كل الوسائل المفضية إليها، ولذلك تقدم الأمر الإلهي بحفظ الأبصار على حفظ الفروج في الآية الكريمة: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾. وأكد أن النظرة المحرمة سهم مسموم يفسد القلب ويطفئ نور الإيمان، بينما يورث غض البصر راحة في القلب، وسلامة في النفس، وقوة في البصيرة.
**media[2744609]**
اشتداد الحر والتذكير بالآخرة في المسجد النبوي
وفي المدينة المنورة، ألقى فضيلة الشيخ صلاح البدير خطبة الجمعة بالمسجد النبوي الشريف، حيث استهلها بتذكير المصلين بتقوى الله والعمل لليوم الآخر، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
وربط الشيخ البدير بين اشتداد حرارة الصيف والتذكير بنار جهنم وعذابها، مشيراً إلى أن هذا الحر الشديد هو من فيح جهنم، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾. كما أورد الحديث النبوي الشريف الذي تشتكي فيه النار إلى ربها فأذن لها بنفسين؛ نفس في الشتاء ونفس في الصيف. ودعا المسلمين إلى التيقظ والاستعداد للدار الآخرة بالفرار من المعاصي والتقرب إلى الله بالطاعات.
سقي الماء والتراحم المجتمعي كقيم إسلامية أصيلة
وفي الخطبة الثانية، ركز الشيخ صلاح البدير على الجانب الإنساني والتكافلي في الإسلام، وحث على استحباب سقي الماء البارد لتخفيف وطأة الحر الشديد على الناس، محذراً من التراخي في إغاثة الظمآن. واستشهد بالحديث القدسي العظيم: “يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني…”.
**media[2744608]**
ودعا خطيب المسجد النبوي إلى ضرورة التراحم بين أفراد المجتمع، وتفقد أحوال الفقراء والمحتاجين، وإعانة العمال والضعفاء بالصدقات، وتوزيع المياه في الطرقات والمساجد والأسواق، وحفر الآبار الخيرية. واختتم بالتذكير بالحديث الشريف: “مَنْ حَفَرَ مَاءً لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ كَبِدٌ حَرِيٌّ مِنْ جِنٍّ وَلَا إِنْسٍ وَلَا طَائِرٍ ولا سبع إِلَّا آجَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”. وتبرز هذه التوجيهات الأثر الإقليمي والدولي لخطب الحرمين الشريفين التي ترسخ قيم التكافل الاجتماعي والعمل الخيري المستدام الذي تميزت به الحضارة الإسلامية عبر تاريخها.


