أثارت التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإدارته تساؤلات جوهرية وعميقة حول مستقبل حلف الناتو وطبيعة العلاقات الدفاعية بين واشنطن والعواصم الأوروبية. وتأتي هذه التطورات المتسارعة في وقت حساس للغاية، حيث تستعد العاصمة الأمريكية لاستقبال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، مارك روته، في البيت الأبيض. ويهدف هذا اللقاء المرتقب إلى تهدئة حدة التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وأوروبا، وذلك قبيل انعقاد قمة قادة الحلف المقررة في العاصمة التركية أنقرة في شهر يوليو المقبل، في اجتماع يوصف بأنه الأهم منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض وإدارته لملفات السياسة الخارجية بأسلوب حازم.
مستقبل حلف الناتو في ظل المطالب الأمريكية التاريخية
لطالما شكلت مسألة تقاسم الأعباء المالية والعسكرية نقطة خلاف محورية بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين عبر العقود الماضية. فمنذ تأسيس الحلف عام 1949، كانت الولايات المتحدة هي المساهم الأكبر والعمود الفقري لميزانيته الدفاعية وقدراته اللوجستية. وخلال مسيرته السياسية، زاد ترامب من حدة الانتقادات الموجهة للدول التي لا تلتزم بنسبة الإنفاق الدفاعي المقررة بـ 2% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو المعيار الذي تم الاتفاق عليه في قمة ويلز عام 2014. ويرى ترامب أن استمرار هذا الوضع يمثل عبئاً غير عادل على دافعي الضرائب الأمريكيين، مما يضع مستقبل حلف الناتو أمام اختبار حقيقي لإعادة صياغة أسس الشراكة عبر الأطلسي على قواعد أكثر توازناً وعدالة.
سلسلة من التوترات الدبلوماسية مع القادة الأوروبيين
شهدت الأيام القليلة الماضية سجالات علنية غير معتادة عكست عمق الفجوة الحالية بين الإدارة الأمريكية الحالية وبعض القادة الأوروبيين. فقد انتقد ترامب رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، مشيراً إلى أنها طلبت التقاط صورة معه خلال قمة مجموعة السبع، وهو ما نفته ميلوني واعتبرته ادعاءً غير صحيح، مما فجر سجالاً إعلامياً وسياسياً واسعاً. وفي خطوة دبلوماسية غير مألوفة، أعلن ترامب عن استقالة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر قبل الإعلان الرسمي عنها في لندن، مما دفع وسائل إعلام بريطانية لوصف الخطوة بأنها خارجة عن الأعراف الدبلوماسية المعتادة.
وتتزامن هذه المواقف مع إعلان وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، عن مراجعة شاملة تستغرق ستة أشهر لتقييم مساهمات الدول الأوروبية في أعباء الدفاع داخل الحلف، ملوحاً باحتمال خفض الوجود العسكري الأمريكي في الدول التي لا تفي بالتزاماتها المالية والدفاعية.
الملف الإيراني وتعميق الخلافات الدفاعية
لا تقتصر الخلافات الحالية على الجوانب المالية فحسب، بل تمتد إلى ملفات جيوسياسية ساخنة وعلى رأسها الملف الإيراني. وتشير المواقف المعلنة داخل الإدارة الأمريكية إلى أن امتناع عدد من الدول الأوروبية عن الانخراط في الاستراتيجية الأمريكية ضد إيران، ورفض بعضها الآخر السماح باستخدام القواعد العسكرية أو البنية التحتية اللوجستية على أراضيها، قد ضاعف من غضب واشنطن. وقد وجه ترامب انتقادات صريحة لإيطاليا في هذا السياق، معتبراً أن قيودها اللوجستية تسببت في تعقيدات عسكرية رغم المساهمة الأمريكية الكبيرة في حماية الحلفاء. وفي هذا الإطار، أكد وزير الخارجية مارك روبيو ووزير الدفاع هيغسيث أن الناتو يجب أن يكون “طريقاً باتجاهين”، في إشارة واضحة لضرورة تحمل الحلفاء لمسؤولياتهم الأمنية كاملة.
التأثيرات المتوقعة على الساحة الدولية والإقليمية
إن إعادة تقييم الدور الأمريكي في الناتو لن تقتصر تداعياتها على القارة الأوروبية فحسب، بل ستلقي بظلالها على الأمن العالمي ككل. إقليمياً، قد تجد الدول الأوروبية نفسها مجبرة على تسريع وتيرة استقلالها الدفاعي وبناء قدرات عسكرية ذاتية دون الاعتماد الكلي على المظلة الأمنية الأمريكية. دولياً، قد يؤدي أي تصدع في جدار الأطلسي إلى تغيير موازين القوى لصالح قوى دولية أخرى.
ومن المثير للاهتمام أن ترامب، في مقابل ضغوطه المستمرة على الحلفاء التقليديين، أبدى مواقف وتفاعلات أكثر إيجابية تجاه عدد من القادة الدوليين، من بينهم الرئيس الصيني شي جين بينغ، ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وتتجه الأنظار الآن إلى لقاء واشنطن المرتقب بين ترامب وروته، حيث يتوقع المراقبون أن يشكل هذا الاجتماع اختباراً حاسماً لتحديد الملامح المستقبلية للتوازن الدفاعي داخل التحالف الغربي.


