في ظل التحديات المعقدة التي تواجه عالمنا العربي، يبرز سؤال جوهري حول سبل تحصين الأوطان ضد المخاطر الداخلية والخارجية. لم يعد الخطاب المعتمد على الشعارات الرنانة أو النكران السلبي كافياً لبناء درع واقٍ للمجتمعات. بل إن المثقفين والمفكرين يؤكدون أن الثقافة الحقيقية، المتجذرة في وعي الشعب والمدعومة من مؤسسات الدولة، هي خط الدفاع الأول والأكثر صلابة لحماية الهوية الوطنية وتعزيز الوحدة المجتمعية.
على مر العقود الماضية، شهدت المنطقة العربية صعود وهبوط العديد من الأيديولوجيات التي حاولت تشكيل هوية الدولة الوطنية. فمنذ مرحلة ما بعد الاستعمار، تصارعت التيارات الفكرية بين اليمين واليسار، وبين دعاة الأممية والطروحات الانعزالية. هذا الصراع أنتج خطاباً نخبوياً ظل في كثير من الأحيان بعيداً عن نبض الشارع، مما خلق فجوة بين “ثقافة المؤسسة” الرسمية و”ثقافة الناس” الحية والمتداولة. وقد استغلت جماعات التطرف هذه الفجوة، وقدمت أطروحاتها التدميرية كبديل، مستخدمة الدين والمذهب كغطاء لمشاريعها السياسية التي تهدف إلى تفكيك الدول وزعزعة استقرارها.
جذور الأزمة: لماذا فشل الخطاب النخبوي في تحصين الأوطان؟
يرى الشاعر عبدالرحمن موكلي أن الثقافة تنقسم إلى قسمين رئيسيين: ثقافة عامة (ثقافة الناس) وثقافة مؤسسية. ويشير إلى أن ثقافة الناس خليط من الصواب والخطأ، ولا يمكن الاعتماد عليها بالكامل. لذا، يقع على عاتق الدولة والمؤسسات الثقافية مسؤولية بناء “ثقافة المؤسسة” التي تستلهم من الجوانب الإيجابية في الثقافة العامة ما يعزز الوحدة الوطنية، وتنبذ ما يدعو إلى الفرقة. هذه الثقافة المؤسسية يجب أن تكون قائمة على الترابط بين فئات المجتمع، مع الحفاظ على القيمة الفردية والإبداعية لكل شخص. السؤال الجوهري، حسب موكلي، هو: كيف نعمل ثقافياً عبر مشاريع قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى لتحقيق هذا الهدف؟
الثقافة كسلاح: بين التوظيف السياسي والحماية المجتمعية
من جهته، يؤكد الشاعر بلال المصري أن الثقافة يجب أن تكون عامل حماية للوحدة الوطنية، لكن الواقع في بعض الأوطان أكثر تعقيداً بسبب تعدد الثقافات والانتماءات السياسية والطائفية. ويلفت المصري إلى أن الثقافة قد تتحول أحياناً إلى سبب إضافي للانقسام عندما يتم تسييسها. ويتجلى هذا بوضوح في المشهد الحالي، حيث تختلف النظرة إلى مفاهيم أساسية مثل “الوطن” و”الخيانة” و”العداء” من فئة إلى أخرى، حتى إن ما يعتبره البعض خيانة عظمى، يراه آخرون مجرد وجهة نظر. هذا التباين الحاد يهدد النسيج المجتمعي ويجعل مهمة المثقف الحقيقي أكثر صعوبة.
العصر الرقمي وتحديات الهوية
يضيف الكاتب مدحت الشيخ بعداً آخر للمشكلة، معتبراً أن “تحصين الثقافة للأوطان” هو سؤال الساعة الذي يزداد إلحاحاً في عالمنا المعاصر. فتبني الأوطان لثقافتها يمثل خط الدفاع الأول عن هويتها ووسيلة أساسية لحماية تماسكها. ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات المفتوحة، تأثرت الثقافات المحلية بشكل ملحوظ، وتراجع الإقبال على القراءة والمحتوى المعرفي العميق. هذا الوضع يفرض تحدياً حقيقياً على صون الهوية الثقافية في مواجهة موجات التأثير الخارجي المتسارعة، ويجعل احتضان الدول لثقافتها ودعم كوادرها أمراً لا غنى عنه.
وفي السياق ذاته، ترى الإعلامية الدكتورة عبير شرارة أن الثقافة الحقيقية تزدهر ببناء وعي اجتماعي يجعل الإنسان يرى الآخر شريكاً لا خصماً. وتؤكد أن الشعارات وحدها لا تحمي الأوطان، بينما الصمت والابتعاد عن القضايا الوطنية الحساسة يضع المثقف في خانة “المغيّب”. وتشير إلى أن المجتمعات العربية اليوم بحاجة ماسة إلى إعادة صياغة مفهوم الثقافة ودور المثقف في تحصين الأوطان، خاصة بعد هيمنة التكنولوجيا التي ساهمت في تدني الذوق العام وأضعفت الروابط الثقافية الأصيلة.


