في خطوة قضائية غير مسبوقة، رفع ثلاثة من قضاة المحكمة الجنائية الدولية دعوى قضائية جماعية ضد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإدارته الحالية. تأتي هذه الدعوى احتجاجاً على العقوبات الاقتصادية والمالية الصارمة التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية عليهم، والتي اعتبرها المدعون غير قانونية وتمثل مساساً مباشراً باستقلالية القضاء الدولي ومحاولة واضحة للضغط على قرارات المحكمة الجنائية في ملفات قضائية حساسة.
لماذا يقاضي قضاة المحكمة الجنائية الدولية الرئيس ترامب؟
تقدم بالدعوى القضائية أمام المحكمة الفيدرالية في مانهاتن كل من القضاة: كيمبرلي بروست من كندا، وسولومي بالونجي بوسا من أوغندا، ورين أديلايد صوفي ألابيني-غانسو من بنين. وأوضح المدعون أن العقوبات المفروضة عليهم تسببت في أضرار بالغة طالت تفاصيل حياتهم اليومية والمهنية بشكل غير مسبوق.
وتشمل هذه الأضرار تجميد الحسابات المصرفية، وعدم القدرة على استخدام بطاقات الائتمان، وصعوبة حجز رحلات الطيران، بالإضافة إلى الحرمان من الحصول على خدمات التأمين الصحي الأساسية. ووصف القضاة هذه التدابير بأنها “عقوبة مالية قاسية” تهدف إلى إجبارهم على تقديم مصالحهم الشخصية والمعيشية على حساب تطبيق القانون والوقائع عند الفصل في القضايا الدولية المنظورة أمامهم.
الجذور التاريخية للخلاف بين واشنطن ولاهاي
تأسست المحكمة الجنائية الدولية في عام 2002 بموجب ميثاق روما الأساسي، وتختص بملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب. ورغم انضمام أكثر من 125 دولة لعضويتها، فإن قوى كبرى مثل الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وإسرائيل ترفض الاعتراف بولايتها القضائية أو الخضوع لقراراتها.
ولا يعد هذا الصدام الحالي الأول من نوعه بين الطرفين؛ ففي عام 2020، فرضت إدارة ترامب عقوبات مماثلة على المدعية العامة السابقة للمحكمة، فاتو بنسودا، ومساعديها، إثر فتح تحقيقات في شبهات جرائم حرب ارتكبتها القوات الأمريكية في أفغانستان. وتصاعدت حدة التوتر مؤخراً عقب إصدار المحكمة مذكرات توقيف دولية بحق مسؤولين بارزين، من بينهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
التأثيرات المتوقعة للمواجهة القضائية على الساحة الدولية
يرى مراقبون أن لجوء القضاة إلى القضاء الفيدرالي الأمريكي يمثل سابقة قانونية قد تعيد تعريف حدود الصلاحيات التنفيذية للرئيس الأمريكي بموجب “قانون السلطات الاقتصادية الطارئة الدولية”. وتستند الدعوى إلى أن العقوبات تجاوزت الحدود القانونية ولم تُبنَ على وجود حالة طوارئ وطنية حقيقية تبرر اتخاذها.
وعلى المستوى الدولي، فإن استمرار فرض العقوبات على الطواقم القضائية يهدد بتقويض منظومة العدالة الجنائية العالمية برمتها، ويثير مخاوف حقيقية لدى المجتمع الدولي حول قدرة المحكمة على أداء مهامها بحيادية تامة ودون خوف من الانتقام المالي أو السياسي من الدول الكبرى غير الأعضاء في ميثاق روما.


