تقديرات متصاعدة: الكشف عن تكلفة حرب إيران الحقيقية
في تطور لافت يعكس حجم التحديات الجيوسياسية والاقتصادية، كشف مسؤولون أمريكيون عن تقديرات جديدة ومثيرة للقلق بشأن تكلفة حرب إيران المحتملة، مشيرين إلى أنها قد تقترب من 50 مليار دولار. هذا الرقم الصادم يمثل ضعف التقدير الأولي الذي قدمته وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون”، والذي كان يبلغ حوالي 25 مليار دولار. هذه الفجوة الكبيرة في الأرقام، والتي نقلتها شبكة CBS News، تسلط الضوء على التعقيدات الهائلة والتكاليف الباهظة لأي مواجهة عسكرية محتملة في منطقة الخليج العربي.
خلال جلسة استماع في الكونغرس، كان وزير الحرب الأمريكي آنذاك، بيت هيجيث (أو باتريك شاناهان في سياق زمني محدد)، ورئيس هيئة الأركان المشتركة، دان كين (أو جوزيف دانفورد)، قد قدّرا تكلفة العمليات العسكرية في إيران بنحو 25 مليار دولار. ومع ذلك، أوضحا أن هذا الرقم لا يشمل بالكامل خسائر المعدات أو الأضرار التي قد تلحق بالمنشآت العسكرية الأمريكية. لكن المسؤولين الأمريكيين الذين تحدثوا لـ CBS News أكدوا أن التكلفة الفعلية للحرب قد تصل إلى 50 مليار دولار حتى الآن، ويعزى جزء كبير من هذا الفارق إلى الحاجة لاستبدال الذخائر والمعدات المستهلكة أو المدمرة. على سبيل المثال، خسر البنتاغون 24 طائرة مسيرة من طراز MQ-9 Reaper، والتي تتجاوز تكلفة الواحدة منها 30 مليون دولار، مما يعكس السرعة التي تتصاعد بها الأعباء المالية.
خلفية التوترات: عقود من الصراع الجيوسياسي
لا يمكن فهم هذه التقديرات المالية الضخمة بمعزل عن السياق التاريخي المعقد للعلاقات الأمريكية الإيرانية. فمنذ الثورة الإيرانية عام 1979، شهدت العلاقات بين البلدين فترات طويلة من التوتر والعداء، تميزت بالصراع على النفوذ في الشرق الأوسط، وتطوير إيران لبرنامجها النووي، ودعمها لجماعات مسلحة في المنطقة. الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني (JCPOA) في عام 2018، وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية المشددة، أدى إلى تصعيد كبير في التوترات. تبع ذلك سلسلة من الحوادث في الخليج العربي، بما في ذلك الهجمات على ناقلات النفط، واستهداف منشآت نفطية، وإسقاط طائرات مسيرة، مما دفع المنطقة إلى حافة المواجهة العسكرية في عدة مناسبات. هذه الخلفية التاريخية من المواجهة المستمرة هي التي تدفع المسؤولين الأمريكيين لتقدير التكاليف المحتملة لأي صراع واسع النطاق.
إن تقدير الـ 50 مليار دولار لا يقتصر على تكاليف العمليات العسكرية المباشرة فحسب، بل يشمل أيضاً التكاليف غير المباشرة المرتبطة بالاستنزاف، حيث يؤدي فقدان المعدات في الميدان إلى زيادة النفقات. ووفقاً لحسابات وكالة بلومبيرغ، بالاعتماد على بيانات البنتاغون، فإن تكلفة بعض الذخائر والمعدات المدمرة والنفقات التشغيلية تصل إلى 14 مليون دولار. يشمل ذلك 8 ملايين دولار للذخائر، و5 ملايين دولار لاستبدال الطائرات والمعدات المدمرة، ومليون دولار كنفقات تشغيلية لحاملتي طائرات و16 مدمرة على مدى 39 يوماً من الضربات شبه المستمرة.
تداعيات إقليمية ودولية: الأبعاد الاقتصادية والجيوسياسية
إن أي صراع عسكري واسع النطاق مع إيران لن تقتصر تداعياته على ساحة المعركة أو الميزانية الأمريكية فحسب، بل سيمتد ليؤثر بشكل عميق على الاستقرار الإقليمي والعالمي. فمنطقة الخليج العربي تعد شرياناً حيوياً لإمدادات النفط العالمية، ويمر عبر مضيق هرمز جزء كبير من تجارة النفط العالمية. أي اضطراب في هذه المنطقة سيؤدي حتماً إلى ارتفاع جنوني في أسعار النفط والغاز، مما سيخنق الاقتصاد العالمي الذي لا يزال يتعافى من تحديات متعددة. على الصعيد الجيوسياسي، قد يؤدي الصراع إلى توسع نطاق النزاعات بالوكالة في المنطقة، وزعزعة استقرار دول الجوار، وتدفقات هائلة للاجئين، مما يشكل عبئاً إنسانياً وأمنياً كبيراً. كما أن مثل هذه المواجهة قد تعيد تشكيل التحالفات الإقليمية والدولية، وتؤثر على مكانة الولايات المتحدة في العالم.
خلال جلسة الكونغرس، أشار القائم بأعمال المراقب المالي في البنتاغون، جولز هيرست، إلى صعوبة تقدير تكلفة المنشآت العسكرية، مشيراً إلى عدم وضوح الوضع المستقبلي للقواعد العسكرية. وأوضح أن الرقم يشمل تكلفة الذخائر المستخدمة والتكاليف التشغيلية، لكنه رفض تقديم تفاصيل دقيقة. من جانبه، أعرب السيناتور الديمقراطي كريس كونز عن شكه في رقم الـ 25 مليار دولار، معتبراً إياه منخفضاً ولا يشمل تكاليف نشر القوات واستمرارها لمدة شهرين. ونقلت CBS News عن الخبير مارك كانسيان قوله إن الذخائر تمثل الجزء الأكبر من تكلفة الحرب، لكن هناك مصاريف أخرى غير ظاهرة، مثل ارتفاع تكاليف الوقود المستخدم في الطائرات والسفن والمركبات العسكرية.
عبء على دافعي الضرائب: الأبعاد الاقتصادية الداخلية لـ تكلفة حرب إيران
بالإضافة إلى التكاليف المباشرة وغير المباشرة على الميزانية العسكرية، فإن تكلفة حرب إيران ستلقي بظلالها على الاقتصاد الأمريكي والمواطن العادي. فوزارة الحرب ليست الجهة الوحيدة التي تتحمل التكاليف، بل تتحمل جهات أخرى مثل وزارة الأمن الداخلي نفقات إضافية. وأضاف كانسيان أن إعادة بناء مخزون الذخائر قد يستغرق “عدة سنوات”. وقدّر معهد المشروع الأمريكي للأبحاث أن ارتفاع أسعار الوقود والسلع قد يكلف كل أسرة أمريكية حوالي 150 دولاراً إضافياً شهرياً، مما يعكس كيف يمكن للصراع الخارجي أن يؤثر بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطنين. هذه الأرقام تسلط الضوء على الضرورة القصوى للبحث عن حلول دبلوماسية لتجنب مثل هذه التكاليف البشرية والاقتصادية الفادحة.


