كشف رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي، دافيد برنيا، عن أن عمليات الجهاز قد اخترقت الحدود في إيران ولبنان، وتمكنت من الحصول على معلومات استخباراتية قيمة. هذا الإعلان، الذي جاء في كلمة ألقاها برنيا، يؤكد على تحقيق إنجازات استخباراتية استراتيجية وتكتيكية في صميم أسرار الخصوم الأكثر حساسية، وإظهار قدرات عملياتية جديدة ورائدة وغير مسبوقة داخل دول الأهداف. وتعتبر هذه التصريحات مؤشرًا واضحًا على التطور المستمر في قدرات الموساد وتوسيع نطاق عملياته السرية.
صراع الظلال: خلفية تاريخية لعمليات الموساد
تأتي هذه التصريحات في سياق تاريخي طويل من الصراع الخفي بين إسرائيل من جهة، وإيران وحزب الله من جهة أخرى. لطالما كانت إيران وحزب الله أهدافًا رئيسية لعمليات الموساد، التي تتراوح بين جمع المعلومات الاستخباراتية، والتخريب، والاغتيالات المستهدفة. يهدف الموساد، بصفته وكالة الاستخبارات الخارجية الرئيسية لإسرائيل، إلى حماية المصالح الأمنية للدولة العبرية من التهديدات الإقليمية، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، ونفوذ طهران المتزايد في المنطقة، وقدرات حزب الله العسكرية. هذا الصراع، الذي يُعرف غالبًا بـ “حرب الظلال”، يشمل عمليات معقدة تتطلب اختراقًا عميقًا للبنى التحتية الأمنية للخصوم، وهو ما يشير إليه برنيا بوضوح في تصريحاته الأخيرة.
تحول استراتيجي: من السرية إلى الهجومية في عمليات الموساد
أشار برنيا إلى تحول في نمط عمل الموساد، إذ جرى تحويله إلى جهاز هجومي وفعال في زمن الحرب، بعد أن كان يركز في السابق على النشاط السري بين الحروب. هذا التحول يتجلى في العمليات ضد إيران ولبنان، ويستند إلى إنشاء وحدات جديدة وقدرات مخصصة خلال السنوات الأخيرة، فضلاً عن بناء تقنيات متقدمة وابتكار على مختلف مستويات العمل. هذا التوجه الجديد يعكس رغبة إسرائيل في اتخاذ موقف أكثر استباقية وعدوانية في مواجهة التهديدات، بدلاً من الاكتفاء بالرد أو جمع المعلومات السلبية. ويؤكد برنيا على ضرورة الحفاظ على القدرات العملياتية القائمة على العنصر البشري لتنفيذ المهام والعمليات الخاصة، مما يسلط الضوء على الأهمية المستمرة للعملاء البشريين في عصر التكنولوجيا المتقدمة.
تداعيات إقليمية ودولية للمعلومات الاستخباراتية للموساد
تتولى دافيد برنيا منصبه منذ يونيو 2021، ومن المقرر أن تنتهي ولايته في يونيو 2026. خلال هذه الفترة، شهدت المنطقة تصعيدًا كبيرًا في التوترات. إعلان الموساد عن اختراق استخباراتي بهذا الحجم يحمل تداعيات إقليمية ودولية واسعة. على الصعيد الإيراني، أعلنت طهران خلال الفترة الماضية إعدام وتوقيف العشرات من المواطنين الإيرانيين، ممن قالت إنهم تعاملوا مع الموساد. هذا يشير إلى حرب استخباراتية شرسة تدور خلف الكواليس، ويثير تساؤلات حول مدى الاختراق الإسرائيلي للأمن الإيراني. كما شهدت الفترة الماضية اغتيالات لقادة إيرانيين بارزين، مثل القائد السابق لفيلق القدس قاسم سليماني (في عام 2020) والجنرال محمد رضا زاهدي (في عام 2024)، وهي عمليات نُسبت على نطاق واسع لإسرائيل وتُظهر مدى فعالية العمليات الاستخباراتية الإسرائيلية ضد شخصيات إيرانية بارزة في المنطقة.
وفي لبنان، استهدفت إسرائيل كبار القادة في حزب الله اللبناني خلال الحرب التي اندلعت عام 2024، عقب هجوم السابع من أكتوبر في قطاع غزة (2023). وقد تضمنت هذه الاستهدافات تقارير عن مقتل شخصيات قيادية بارزة، مثل هاشم صفي الدين، فضلاً عن كبار القادة العسكريين في قوة الرضوان. إن الكشف عن المعلومات الاستخباراتية للموساد من داخل هذه الدول يعزز من صورة إسرائيل كقوة استخباراتية رائدة، ولكنه يزيد أيضًا من حدة التوترات في منطقة الشرق الأوسط، مما قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد في المستقبل.


