spot_img

ذات صلة

نبات أحمد.. قصة كفاح سلطانة العود في اليمن وتاريخها الفني

تعتبر الفنانة اليمنية نبات أحمد واحدة من أبرز القامات الفنية التي تركت بصمة لا تُمحى في تاريخ الموسيقى العربية واليمنية، حيث لُقبت بـ “سلطانة العود” نظير موهبتها الفذة وجرأتها في اقتحام مجال كان حكراً على الرجال. لم تكن مسيرتها مجرد رحلة طرب، بل كانت ملحمة كفاح حقيقية من أجل تمكين المرأة اليمنية وتحرير الفن من قيود المجتمع القبلي المحافظ. في هذا المقال، نسلط الضوء على سيرة هذه الفنانة الاستثنائية، وخلفية الفن اليمني العريق الذي نشأت في أحضانه.

الجذور التاريخية للموسيقى والغناء في اليمن

يمتد تاريخ الغناء والموسيقى في اليمن إلى حضارات ما قبل الميلاد. ويشير الباحث اليمني محمد حسين العمري، في أبحاثه حول تاريخ الغناء اليمني، إلى أن النقوش الأثرية المكتشفة في مواقع يمنية متعددة تؤكد معرفة اليمنيين لآلة العود منذ العصور القديمة. كما ذكر المؤرخ المسعودي في كتابه الشهير “مروج الذهب” أن الغناء في اليمن يعود إلى عهد عاد، مما يثبت أصالة هذا الفن وتجذره في الهوية اليمنية.

وقد خلص المستشرق البريطاني “هنري فارمر” إلى أن العرب في ممالك جنوب الجزيرة العربية بلغوا مراتب سامية ومتقدمة في مجال الموسيقى. وتؤكد المصادر التاريخية أن الموسيقى العربية بدأت تزدهر وتنمو من جنوب الجزيرة العربية لتنتقل بعد ذلك إلى العراق وسوريا وغرب الجزيرة. ويُعد الفنان اليمني “طويس” أول من أدخل الإيقاع إلى الغناء العربي، وسار على دربه كبار أعلام الموسيقى في العهدين الأموي والعباسي مثل إسحاق الموصلي وزرياب، الذين نقلوا هذه الفنون لاحقاً إلى الأندلس لتظهر الموشحات التي تعود جذورها وتراكيبها اللغوية إلى الأصل اليمني الحميني.

التفاوت الاجتماعي بين شمال اليمن وجنوبه

رغم هذا الإرث العريق، واجه الفن اليمني معوقات اجتماعية ودينية شديدة، لا سيما في مناطق الشمال المحافظة، مما أجبر الفنانين على ممارسة شغفهم سراً أمام جمهور محدود. ولتجاوز هذه التضييقات، لجأ صناع الطرب إلى غناء الشعر الحكمي الخالي من الخصوصية المحلية، أو بث أشواقهم عبر الشعر الصوفي لرموز مثل البرعي وابن الفارض وابن عربي، تلا ذلك الالتجاء إلى الشعر الحميني العامي الذي منحهم حرية أكبر في التعبير والتلحين.

في المقابل، كان جنوب اليمن، وخاصة مدينة عدن، يعيش مناخاً أكثر انفتاحاً؛ حيث ازدحمت المدينة بشركات التسجيل الفنية الأهلية التي جلبت الأسطوانات من إنجلترا وتبنت المواهب من الجنسين، ووفرت المعاهد الموسيقية والمحافل العامة بيئة مثالية للازدهار الفني بحرية تامة.

كيف أصبحت نبات أحمد سلطانة العود في اليمن؟

في هذه البيئة المتباينة، ولدت الفنانة نبات أحمد عام 1955 في مدينة تعز لأسرة تنحدر من منطقة ذمار. نشأت نبات في كنف والدها أحمد العماري الذي كان محباً للفن وداعماً لموهبتها وموهبة شقيقتها الكبرى “روضة”، رغم الرفض القاطع من قبيلتهم التي اعتبرت الغناء عاراً، مما أدى إلى مقاطعة عمهم للعائلة.

بدأت نبات شغفها الفني منذ الطفولة بالنقش والتطبيل على علب الصفيح في المدرسة. ومع تأسيس النظام الجمهوري عام 1962 وبداية الانفراج التدريجي في عهدي الرئيسين الراحلين إبراهيم الحمدي وعلي عبد الله صالح، وجدت طريقها ممهداً للظهور علناً. تبناها فنياً الفنان محمد حمود العوامي، وقدمها للجمهور لأول مرة في بداية السبعينيات على مسرح قصر سبأ بتعز، حيث غنت أغنيتها الأولى “فيني وفي روحي وفي عيوني” ونالت تصفيقاً حاراً من الجمهور وبمشاركة فنانين كبار مثل أيوب طارش.

تزوجت نبات بعد ذلك من الفنان الراحل أحمد صالح الأبرش، الذي علمها العزف على آلة العود، لتصبح من أوائل النساء اليمنيات اللواتي يتقنّ العزف على هذه الآلة الشرقية العريقة. شكّل الثنائي دويتوهات ناجحة جابت شهرتها كافة أنحاء اليمن، وسجلا أعمالهما في جدة بالمملكة العربية السعودية. ورغم نجاحهما، واجهت نبات غيرة زوجها الشديدة التي وصلت إلى حد إغلاق باب المنزل عليها أثناء غيابه.

إرث فني حافل وتأثير محلي وإقليمي

بعد وفاة زوجها الأبرش في حادث سير، واصلت نبات أحمد مسيرتها الفنية بمفردها، وقدمت على مدار 50 عاماً نحو 120 ألبوماً غنائياً أطربت بها الجمهور اليمني في الداخل والمهجر. من أشهر أغانيها: “حبيبي لا تعذبني”، “سلام يا أحباب”، “زهرة الربيع”، و”وسط قلبي أنت يا باهي الجبين”. أصبحت نبات المطلب الأول في أعراس العائلات الكبرى وحفلات مسؤولي الدولة، حتى قيل إن العروس التي تزفها نبات بالزفة الصنعانية تكون محظوظة للغاية.

امتد تأثيرها إقليمياً ودولياً؛ حيث أحيت حفلات ناجحة في الكويت، البحرين، السعودية، وجيبوتي، بالإضافة إلى حفلة شهيرة في باريس بدعوة من الجالية اليمنية، حظيت خلالها باهتمام الصحافة الفرنسية التي أجرت معها حوارات مطولة وصورتها وهي ممسكة بعودها بشعرها القصير العصري.

مواقف شجاعة ونهاية المسيرة

عُرفت نبات بشخصيتها القوية والذكية؛ ومن أبرز مواقفها الشجاعة تصديها لمحافظ الحديدة المتشدد الذي حاول منع النساء من الغناء في حفل خيري لصالح الفقراء، حيث سافرت إلى صنعاء وعادت بأوامر عليا سمحت لها ولزميلاتها بالصعود إلى المسرح والغناء رغماً عنه.

تزوجت للمرة الثانية من حيدر غالب عبد الله داوود، وهو ابن شيخ قبلي من تهامة، وأنجبت منه ولداً وبنتاً، إلا أن هذه الزيجة تسببت في انقطاعها عن الظهور العلني لمدة 18 عاماً لعدم سماحه لها بالغناء إلا في نطاق ضيق. وفي عام 2003، توقفت تماماً عن الغناء بسبب مرض أثر على حبالها الصوتية. ومع اندلاع الحروب والأزمات السياسية في اليمن، غادرت سلطانة العود إلى مصر، لتعيش في مغتربها على عائدات عقارين تملكهما في صنعاء، تاركة خلفها إرثاً فنياً وتاريخياً عظيماً يروي قصة كفاح امرأة يمنية غيرت وجه الموسيقى في بلادها.

spot_imgspot_img