في لحظة حبست فيها الأنفاس، تحول مشهد التصعيد العسكري الوشيك في مضيق هرمز إلى سباق دبلوماسي مع الزمن، بعد تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في اللحظات الأخيرة عن توجيه ضربة عسكرية لإيران. هذا التراجع لم يكن نهاية للأزمة، بل فتح الباب أمام ديناميكية تفاوض محفوفة بالمخاطر، تبرز فيها الوساطة الباكستانية في أزمة هرمز كخيط رفيع يفصل بين السلام والحرب. السؤال الذي يشغل المراقبين الآن ليس فقط عن أسباب تراجع ترامب، بل عن مصير المنطقة عندما تنتهي المهلة المقترحة التي تسعى إسلام آباد لتثبيتها.
المؤشرات الحالية تكشف عن مواجهة حتمية بين استراتيجيتين وصلتا إلى أقصى حدودهما. فمن ناحية، تراهن واشنطن على سياسة “الضغوط القصوى” عبر العقوبات الاقتصادية الخانقة، ومن ناحية أخرى، تستخدم طهران ورقة أمن الملاحة في المضيق كورقة ضغط أخيرة. مهلة الـ30 يوماً التي تحملها المسودة الباكستانية تمثل نافذة أمان مؤقتة، لكنها تسبق انفجاراً محتملاً في ظل تمسك كل طرف بأوراقه حتى الرمق الأخير.
جذور التوتر في شريان النفط العالمي
لم تظهر هذه الأزمة من فراغ، بل هي نتاج سنوات من التوتر المتصاعد الذي بلغ ذروته مع انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2018، وإعادة فرض عقوبات قاسية بهدف شل الاقتصاد الإيراني وتغيير سلوك طهران الإقليمي. يقع مضيق هرمز في قلب هذا الصراع، فهو ليس مجرد ممر مائي، بل شريان حيوي يمر عبره ما يقرب من خُمس استهلاك النفط العالمي. أي اضطراب في هذا المضيق يعني تلقائياً صدمة لأسواق الطاقة العالمية واقتصاديات الدول الصناعية الكبرى، مما يمنح إيران ورقة ضغط استراتيجية لا يمكن تجاهلها.
دور إسلام آباد المحوري في الوساطة الباكستانية في أزمة هرمز
في خضم هذا المشهد المعقد، يبرز دور الوسيط الباكستاني الذي يتحرك بحذر بين عواصم متنافرة. فإسلام آباد، التي تمتلك علاقات معقدة ومتوازنة مع كل من واشنطن وطهران والرياض، تجد نفسها في موقع فريد يؤهلها للعب دور نزع الفتيل. لا تسعى باكستان لتقديم حلول سياسية عاطفية، بل تبحث عن ضمانات أمنية متبادلة لتأمين مهلة الـ30 يوماً التفاوضية. خلف الكواليس، تدور جهود حثيثة لصياغة معادلة تتيح خفض التصعيد الميداني، حيث تحاول إقناع طهران بتأجيل تفعيل آليتها الجديدة للسيادة على هرمز، مقابل إقناع واشنطن بمنح إعفاءات نفطية محدودة لشركاء محددين كبادرة حسن نية.
سيناريوهات المستقبل: بين الدبلوماسية والمواجهة المحدودة
تدرك إدارة ترامب أن إيران تحاول تغيير قواعد اللعبة، بالانتقال من التهديد العسكري التقليدي بإغلاق المضيق إلى استراتيجية فرض “سيادة قانونية” عبر آليات تفتيش أو فرض رسوم، وهو ما يمثل تحدياً مباشراً للعقوبات الأمريكية. لذلك، جاءت تصريحات ترامب حاسمة: “الاتفاق أولاً، ثم رفع العقوبات”. واشنطن ترفض منح أي إعفاءات نفطية مسبقة، وتطالب بالتزام إيراني مكتوب كشرط لبدء المفاوضات. إذا جاء الرد الإيراني مخيباً للآمال، فإن الخيار العسكري لن يكون حرباً شاملة، بل على الأرجح ضربات “جراحية” دقيقة تستهدف البنية التحتية للطاقة الإيرانية أو قدرتها على التحكم في الملاحة، بهدف كسر الآلية الجديدة في هرمز قبل أن تصبح أمراً واقعاً. هذا التحرك المحسوب يهدف إلى تجنب حرب إقليمية واسعة، مع الحفاظ على خطوط الرجعة الدبلوماسية مفتوحة.


