في تصعيد دبلوماسي لافت، أثار السياسي البولندي القومي كارول نافروتسكي جدلاً واسعاً باقتراحه تجريد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من «وسام النسر الأبيض»، وهو أرفع تكريم تمنحه بولندا. يأتي هذا الموقف، الذي يعكس توتراً كامناً تحت سطح التحالف الوثيق بين البلدين، على خلفية قرار الرئيس زيلينسكي تكريم إحدى الوحدات العسكرية الأوكرانية بتسميتها على اسم منظمة «جيش المتمردين الأوكراني» (UPA)، وهي خطوة أثارت جراحاً تاريخية عميقة لدى وارسو.
جذور الأزمة: وسام زيلينسكي وذاكرة الماضي الدامية
يُعد «وسام النسر الأبيض»، الذي مُنح لزيلينسكي في أبريل 2023 تقديراً لدفاعه عن سيادة أوكرانيا وقيم أوروبا، رمزاً لأعلى درجات الصداقة والاحترام من الدولة البولندية. لكن قرار كييف الأخير بتمجيد منظمة UPA مسّ وتراً حساساً للغاية في الذاكرة الوطنية البولندية. تحمل بولندا هذه المنظمة القومية الأوكرانية مسؤولية ارتكاب «مذابح فولينيا» خلال الحرب العالمية الثانية، وهي سلسلة من الفظائع التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من المدنيين البولنديين بين عامي 1943 و1945. ورغم أن أوكرانيا تنظر إلى UPA كحركة مقاومة حاربت من أجل استقلالها ضد كل من ألمانيا النازية والاتحاد السوفيتي، فإن بولندا تعتبرها مسؤولة عن عمليات تطهير عرقي وحشية، وهي قضية لا تزال تلقي بظلالها الثقيلة على العلاقات الثنائية.
تداعيات دبلوماسية في خضم الحرب
تكتسب هذه الأزمة أهمية خاصة بالنظر إلى الدور المحوري الذي لعبته بولندا كواحدة من أقوى حلفاء أوكرانيا منذ بدء الغزو الروسي الشامل. فقد فتحت وارسو أبوابها لملايين اللاجئين الأوكرانيين، وشكلت مركزاً لوجستياً حيوياً لنقل المساعدات العسكرية الغربية إلى كييف. هذا الخلاف يسلط الضوء على التحدي الذي يواجه البلدين في الموازنة بين ضرورات التحالف الاستراتيجي الحالي لمواجهة العدوان الروسي، وبين تسوية حسابات الماضي المؤلمة. يمكن أن يؤثر هذا التوتر على الرأي العام في كلا البلدين، وقد يستغله الخصوم لزرع الشقاق داخل الجبهة الأوروبية الموحدة ضد موسكو.
يأتي هذا الجدل الدبلوماسي في وقت تتصاعد فيه حدة العمليات العسكرية على الأرض. فقد أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن سيطرة قواتها على أربع بلدات جديدة، وتنفيذ ضربات مشتركة استهدفت مواقع للقوات المسلحة الأوكرانية. في المقابل، أفاد مسؤولون أوكرانيون بأن طائرات مسيّرة روسية استهدفت سفناً تجارية ترفع أعلاماً أجنبية في ممر التصدير الأوكراني بالبحر الأسود، مما تسبب في اندلاع حرائق على متنها، ويعكس اتساع نطاق الاستهداف ليشمل خطوط الشحن التجاري الحيوية. هذه التطورات الميدانية تبرز مدى أهمية الحفاظ على تماسك التحالفات الداعمة لأوكرانيا، وتجعل من أي خلافات داخلية، مهما كانت جذورها، مصدر قلق استراتيجي كبير.


