تشهد دور العرض السينمائي في المملكة العربية السعودية إقبالاً جماهيرياً متزايداً بالتزامن مع اتساع خيارات العرض وتنوع الإنتاجات المحلية والعالمية. وفي هذا السياق، كشفت أحدث التقارير الصادرة عن هيئة الأفلام لعام 2025 عن توجهات واضحة في ذائقة المشاهدين، حيث تربع قطبا “الأكشن” و”الكوميديا” على عرش الصدارة، في حين تراجعت الأعمال الدرامية لتصبح خارج دائرة المنافسة الحقيقية. ويعكس هذا التحول طبيعة الترفيه التي يبحث عنها رواد السينما السعودية في الوقت الراهن، مفضلين جرعات الإثارة والضحك على القصص التراجيدية المعقدة.
تحولات تاريخية صاغت واقع السينما السعودية الجديد
لم يكن هذا الحراك السينمائي وليد الصدفة، بل جاء ثمرة لقرار تاريخي اتخذته المملكة في عام 2018 بإعادة افتتاح دور السينما بعد إغلاق دام لأكثر من ثلاثة عقود، وذلك كجزء أساسي من رؤية السعودية 2030 الهادفة إلى تنويع الاقتصاد وجودة الحياة. ومنذ ذلك الحين، شهد قطاع السينما نمواً متسارعاً للغاية، حيث تحولت المملكة من سوق ناشئة إلى أسرع أسواق السينما نمواً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع تأسيس بنية تحتية قوية تضم مئات الشاشات الحديثة التي تديرها شركات محلية وعالمية، مما أتاح للجمهور فرصة فريدة للتعبير عن تفضيلاته الفنية بكل حرية.
الكوميديا والأكشن: الملاذ الآمن للجمهور السعودي
في استطلاع للآراء رصدته الصحافة المحلية حول نوعية الأفلام المفضلة، أجمعت شريحة واسعة من المواطنين والمواطنات على أن الأفلام الكوميدية تمنحهم متنفساً حقيقياً بعيداً عن ضغوط الحياة اليومية. وأوضحت المواطنة شيرين ثابت أن الكوميديا تمنحها شعوراً بالانبساط والطاقة الإيجابية، معبرة عن إعجابها بأعمال تامر حسني، ومحمد سعد، ومحمد هنيدي، ومؤكدة على التطور الكبير الذي حققته الأفلام المحلية. وفي السياق ذاته، أكد سلطان باجري تفضيله الدائم للكوميديا وحرصه على متابعة أعمال أحمد حلمي ومحمد ثروت، بينما أشارت أسرار الثقفي إلى أن الضحك يساعد على تغيير الأجواء، مبدية إعجابها بنجوم الكوميديا والأكشن مثل أحمد حلمي، وأحمد عز، وكريم عبدالعزيز. ومن جانبها، بينت عائشة عبدالعزيز أن الكوميديا هي خيارها الأول تليها أفلام الرعب بحسب حالتها المزاجية، مفضلة أعمال تامر حسني ومي عمر.
على الجانب الآخر، حافظت أفلام الحركة والإثارة على حضورها القوي، لا سيما بين فئة الشباب. وذكرت هناء جبريل أن اختيارها للفيلم يعتمد على المرافق والحالة النفسية؛ إذ تفضل الكوميديا للمشاهدة الفردية، بينما تختار الأكشن عند الذهاب مع الأصدقاء، والرسوم المتحركة مع الأطفال. وأكد مؤيد الطيب أنه يفضل أفلام الأكشن عند المشاهدة بمفرده، خاصة أعمال النجم العالمي دواين جونسون (ذا روك)، بينما يتجه مع العائلة نحو الكوميديا المصرية لنجوم مثل أحمد عز، وأحمد السقا، وهنيدي. ويجمع عبدالحميد عطية بين حب الأكشن والكوميديا، مفضلاً كوكبة من النجوم مثل كريم عبدالعزيز، وأحمد حلمي، ومحمد سعد، وتامر حسني، وياسمين صبري، ومي عمر، وميرنا جميل.
ولم تغب أفلام الرعب والقصص الواقعية عن المشهد؛ إذ أشار موسى الزهراني إلى ميله للأفلام المستندة إلى أحداث حقيقية بجانب الكوميديا، في حين وضعت صالحة الغامدي الرعب والأكشن في مقدمة خياراتها معبرة عن إعجابها بأعمال أحمد العوضي. كما أكدت سماح الكثيري حرصها على استكشاف التجارب السينمائية الجديدة، مع التركيز على أفلام الحركة والكوميديا لنجومها المفضلين كريم عبدالعزيز وأحمد حلمي وأحمد السقا.
الأثر الاقتصادي والثقافي لتطور شباك التذاكر بالمملكة
يتجاوز تأثير هذه التفضيلات مجرد خيارات ترفيهية فردية، ليصنع فارقاً اقتصادياً وثقافياً كبيراً على المستويين الإقليمي والدولي. محلياً، يسهم هذا الإقبال الكبير في دعم قطاع الترفيه وتوليد فرص عمل جديدة للشباب السعودي في مجالات التشغيل والإنتاج والتوزيع. وإقليمياً، أصبحت المملكة الوجهة الأولى والمستهدفة لشركات الإنتاج العربية، وخاصة المصرية، التي باتت تصنع أفلاماً خصيصاً لتناسب ذائقة الجمهور السعودي وتنافس بقوة في شباك التذاكر بالمملكة. أما دولياً، فإن هذا النمو المتسارع يعزز مكانة السعودية كمركز سينمائي رائد في المنطقة، وهو ما يتجلى في النجاح المستمر لمهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي واستقطاب الشراكات العالمية الكبرى لإنتاج وتصوير الأفلام داخل المملكة.


