يمثل نظام التنفيذ الجديد في المملكة العربية السعودية نقلة نوعية في المنظومة القضائية، حيث يهدف إلى تعزيز فاعلية الإجراءات القانونية وضمان تطبيق العدالة بشكل أسرع وأكثر حزماً. ومن أبرز جوانب هذا التحديث التشريعي، الصلاحيات الموسعة الممنوحة للمحاكم لضمان تنفيذ أحكام الحضانة والزيارة، حتى لو تطلب الأمر استخدام القوة المختصة ودخول المنازل. هذا التوجه يعكس التزاماً راسخاً بحماية حقوق الأطفال والأسر، ويضع حداً للمماطلة في قضايا حساسة تمس صميم النسيج الاجتماعي.
خلفية تاريخية والحاجة إلى إصلاح جذري
لطالما شكلت قضايا الأحوال الشخصية، وخاصة تلك المتعلقة بالحضانة والزيارة، تحدياً كبيراً أمام المحاكم والجهات التنفيذية. ففي السابق، كانت هناك صعوبات جمة تواجه الأطراف المستفيدة من هذه الأحكام، وخاصة الأمهات والآباء الذين يعانون من مماطلة الطرف الآخر في تنفيذ قرارات المحكمة. هذه المماطلة كانت تؤدي في كثير من الأحيان إلى حرمان الأطفال من حقهم في رؤية أحد الوالدين أو العيش في بيئة مستقرة، مما يترك آثاراً نفسية واجتماعية سلبية عميقة. وقد أدركت القيادة السعودية أهمية معالجة هذه الثغرات لضمان تحقيق العدالة الناجزة وحماية مصالح الأسر، وهو ما دفع نحو صياغة نظام تنفيذ شامل يواكب التطورات ويستجيب لاحتياجات المجتمع.
آليات حاسمة لضمان تنفيذ أحكام الحضانة والزيارة
يأتي النظام الجديد ليضع حداً لهذه التحديات، حيث نصت المادة الـ36 والمواد المتعلقة بالأحوال الشخصية على آليات تنفيذ جبري صارمة. فإذا لم يلتزم المنفذ ضده بتنفيذ الحكم خلال خمسة أيام عمل من تاريخ إبلاغه، يحق للمحكمة أن تأمر فوراً باستعمال القوة المختصة للقيام بما يلزم من إجراءات التنفيذ. وفي سابقة نوعية، أكد النظام على أن السند التنفيذي الصادر بالحضانة والزيارة يُنفذ جبراً، حتى لو أدى ذلك إلى الاستعانة بالقوة المختصة وإلى دخول المنازل بحسب ما يقتضيه الحال. هذه الصلاحية الجديدة تضمن عدم إعاقة تنفيذ هذه الأحكام الحيوية، وتؤكد على أن مصلحة المحضون هي الأولوية القصوى التي يجب مراعاتها في جميع مراحل التنفيذ. كما يمكن إعادة تنفيذ السند التنفيذي كلما اقتضى الأمر ذلك، مما يوفر حماية مستمرة لحقوق الأطراف.
توسيع نطاق التنفيذ الجبري: من الحبس إلى الغرامات
لم يقتصر النظام الجديد على تعزيز تنفيذ أحكام الحضانة والزيارة فحسب، بل شمل توسيعاً في نطاق الإجراءات التنفيذية الجبرية بشكل عام. فقد منح المحاكم صلاحية الأمر بحبس المدين المنفذ ضده لمدة تصل إلى 180 يوماً، بناءً على طلب طالب التنفيذ، وذلك بعد مرور 30 يوم عمل على اتخاذ إجراءات التنفيذ الجبري دون التزام. ومع ذلك، وضع النظام استثناءات إنسانية لعدم جواز الحبس في حالات محددة، مثل صغار السن (أقل من 18 عاماً)، أو المصابين بأمراض لا يتحملون معها الحبس، أو النساء الحوامل أو اللاتي لديهن أطفال لم يتجاوزوا الثانية من عمرهم، أو إذا كان المنفذ ضده من أصول أو فروع طالب التنفيذ. وفي حال تعذر التنفيذ بالقوة أو تطلب قيام المنفذ ضده بنفسه، يمكن للمحكمة فرض غرامة يومية تصل إلى 10 آلاف ريال، بالإضافة إلى منع المنفذ ضده من السفر، مما يشكل ضغطاً إضافياً لضمان الامتثال.
نظام رقمي يعزز الثقة وبيئة الاستثمار
يمثل نظام التنفيذ الجديد تحولاً نوعياً نحو منظومة قضائية رقمية عالية الكفاءة. فقد عملت وزارة العدل على رقمنة السندات التنفيذية، مما يقلل من النزاعات المرتبطة بإثبات الديون ويعزز الثقة في التعاملات المالية. هذا التوجه لا يقتصر تأثيره على القضاء فحسب، بل يمتد ليشمل تحسين بيئة الاستثمار في المملكة، من خلال رفع موثوقية التعاملات المالية والتجارية. كما يعالج النظام أبرز التحديات التي واجهت التنفيذ سابقاً، مثل التلاعب بالإعسار وتعدد الجهات، مما يقلل من حالات “التنفيذ الشكلي” ويزيد من فرص تحصيل الحقوق فعلياً. هذا الإصلاح الشامل يعكس رؤية المملكة 2030 في بناء نظام عدلي متطور وفعال يخدم المواطنين والمقيمين على حد سواء.


