شهد منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي تصريحات بارزة تؤكد عمق العلاقات السعودية الروسية ومتانتها، حيث استهل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أعمال المنتدى بالإشادة بالروابط التاريخية التي تجمع بين موسكو والرياض. ووصف بوتين المملكة العربية السعودية بأنها “صديق قديم وراسخ” لروسيا، مبيناً أن هذا التقدير هو الدافع الأساسي لاختيار المملكة لتكون ضيف شرف المنتدى في هذه الدورة الاستثنائية التي تُعقد في مسقط رأسه.
العلاقات السعودية الروسية وتجاوز العواصف السياسية والاقتصادية
وفي لفتة بروتوكولية لافتة تعكس مدى التقارب والاحترام المتبادل، غادر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مقعده على المنصة ليسلم مكبر الصوت شخصياً إلى وزير الطاقة السعودي، الأمير عبد العزيز بن سلمان آل سعود، الذي كان يتابع الجلسة من بين الحضور. هذا المشهد الودي تبعه حوار عفوي، حيث علق الأمير عبد العزيز قائلاً: “سحر.. إنه سحر يحدث في سانت بطرسبورغ”، ليرد عليه بوتين بابتسامة ترحيبية: “أنت في روسيا”.
وأكد وزير الطاقة السعودي خلال مشاركته أن الروابط الثنائية بين الرياض وموسكو أثبتت صلابتها وقدرتها على الصمود أمام كافة التحديات، مشدداً على أن الشراكة بين البلدين تجاوزت جميع الأزمات والزوابع بفضل الالتزام القوي والمشترك بتعزيز التعاون والتنسيق المستمر، لا سيما في أسواق الطاقة العالمية عبر تحالف “أوبك بلس”.
جذور تاريخية ممتدة وآفاق تعاون واعدة
تضرب العلاقات بين موسكو والرياض بجذورها في عمق التاريخ، حيث كانت روسيا (الاتحاد السوفيتي سابقاً) من أوائل الدول التي اعترفت بتوحيد المملكة العربية السعودية في ثلاثينيات القرن الماضي. وعلى مر العقود، شهدت هذه العلاقات محطات من التطور والنمو، لتتحول في السنوات الأخيرة إلى شراكة استراتيجية وثيقة تغطي الجوانب السياسية، والاقتصادية، والاستثمارية.
ولم يعد هذا التعاون مقتصراً على تنسيق إنتاج النفط للحفاظ على استقرار الأسواق العالمية فحسب، بل امتد ليشمل قطاعات حيوية أخرى مثل التكنولوجيا، والزراعة، والصناعات الدفاعية، والاستخدامات السلمية للطاقة النووية، مما يعكس رغبة البلدين في بناء نموذج تعاوني مستدام يسهم في تحقيق التوازن الاقتصادي الإقليمي والدولي.
آفاق التعاون النووي السلمي وتأثيره الإقليمي
وفي سياق تعزيز هذه الشراكة الاستراتيجية، كشف أليكسي ليخاتشيف، الرئيس التنفيذي لمؤسسة الطاقة النووية الروسية “روساتوم”، عن وجود مناقشات جادة ومستمرة مع الجانب السعودي على هامش منتدى سانت بطرسبورغ. وتتمحور هذه المحادثات حول إمكانية مشاركة “روساتوم” في المناقصة التي طرحتها المملكة العربية السعودية لتشييد أول معمل للطاقة النووية السلمية على أراضيها.
وأعرب ليخاتشيف عن تفاؤله الكبير واهتمام بلاده البالغ بهذه الخطوة، مشيراً إلى أن “روساتوم” تمتلك خبرات عالمية رائدة، وتتولى حالياً تنفيذ مشاريع عملاقة في المنطقة، من أبرزها بناء مفاعل الضبعة النووي في مصر، والذي يُعد الأكبر والأقوى من نوعه عالمياً. إن دخول روسيا في قطاع الطاقة النووية السلمية في الخليج من شأنه أن يعزز من مكانة المملكة كمركز إقليمي للطاقة المتجددة والنظيفة، ويفتح آفاقاً جديدة للتكامل التكنولوجي والاقتصادي بين الشرق الأوسط وروسيا، مما يلقي بظلاله الإيجابية على مشهد الطاقة العالمي ككل.


