عقد مجلس الشورى جلسته العادية الثلاثين من أعمال السنة الثانية للدورة التاسعة عبر الاتصال المرئي، برئاسة نائب رئيس المجلس الدكتور مشعل بن فهم السُّلمي. شهدت الجلسة مناقشات مستفيضة واتخاذ قرارات محورية تلامس جوانب متعددة من التنمية الوطنية، مؤكدة على الدور الحيوي للمجلس في دعم مسيرة الإصلاح والتطوير التي تشهدها المملكة ضمن رؤية 2030 الطموحة. وقد استعرض المجلس في مستهل الجلسة جدول أعماله، متخذًا قراراته اللازمة بشأن البنود المطروحة، والتي عكست اهتمامًا بالغًا بتعزيز كفاءة الأداء الحكومي وتحقيق الاستدامة في مختلف القطاعات.
دور مجلس الشورى في الحوكمة والتنمية
يُعد مجلس الشورى ركيزة أساسية في النظام التشريعي والرقابي للمملكة العربية السعودية، حيث يضطلع بمسؤولية دراسة الأنظمة واللوائح، ومناقشة التقارير السنوية للجهات الحكومية، وتقديم التوصيات التي تسهم في تطوير الأداء وتحقيق الأهداف الوطنية. تأسس المجلس في صورته الحديثة عام 1993، وشهد تطورات متلاحقة لتعزيز دوره وتمكينه من مواكبة التطلعات التنموية. هذه الجلسة، كغيرها من الجلسات، تعكس التزام المجلس بمتابعة أداء الجهات الحكومية وتقييم مدى تحقيقها للمستهدفات، مما يضمن الشفافية والمساءلة ويعزز مبادئ الحوكمة الرشيدة. إن طبيعة عمل المجلس، التي تتضمن الاستماع لوجهات نظر اللجان المتخصصة وملاحظات الأعضاء، تضمن اتخاذ قرارات مدروسة وشاملة تأخذ في الاعتبار مختلف الأبعاد.
تعزيز القوة الناعمة وترشيد الموارد: قرارات استراتيجية
في خطوة تعكس الأهمية المتزايدة للصورة الذهنية للمملكة على الساحة الدولية، أصدر المجلس قرارًا بشأن التقرير السنوي لوزارة الإعلام، داعيًا الوزارة إلى التنسيق مع الجهات ذات العلاقة لدراسة بناء إطار لقياس مؤشر القوة الناعمة. هذا المؤشر يُعد أداة استراتيجية لتعزيز وترسيخ الصورة الإيجابية للمملكة في الخارج، بما يتماشى مع أهداف رؤية 2030 الرامية إلى بناء مكانة عالمية رائدة للمملكة. كما دعا المجلس الوزارة إلى التنسيق مع وزارة الثقافة لرسم الأطر التنظيمية للمدن الإعلامية المتخصصة لضمان التكامل المؤسسي، وأكد على دور الوزارة في الإشراف على توحيد جهود الأكاديميات الإعلامية لضمان جودة المخرجات.
وفي سياق آخر لا يقل أهمية، اتخذ المجلس قرارًا يطالب المركز الوطني لكفاءة وترشيد المياه بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة لدراسة توفير مياه غير مخصصة للشرب لري الحدائق والأشجار المنزلية. هذا القرار يعكس التوجه الوطني نحو الاستدامة البيئية وإدارة الموارد المائية بكفاءة، وهو أمر حيوي لدولة تقع في منطقة شحيحة المياه. كما دعا المجلس المركز إلى اعتماد آلية تمكّن الجهات الحكومية من ترشيد المياه واستخدامها بكفاءة، مما يسهم في تحقيق الأمن المائي للمملكة على المدى الطويل ويقلل من الهدر.
دعم التحول الرقمي وتنمية القطاع غير الربحي
لم تقتصر مناقشات مجلس الشورى على الجوانب الإعلامية والبيئية، بل امتدت لتشمل دعم التحول الرقمي وتنمية القطاع غير الربحي. ناقش المجلس التقرير السنوي للهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، حيث طالب الأعضاء ببناء مؤشر وطني لقياس مساهمة تقنيات الذكاء الاصطناعي في الناتج المحلي، واقتراح مبادرة وطنية شاملة لحوكمة ومعالجة فجوات جودة البيانات. هذه التوصيات تؤكد على التزام المملكة بالاستفادة القصوى من الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي لدفع عجلة التنمية الاقتصادية وتحسين جودة الخدمات الحكومية، مما يعزز مكانة المملكة كمركز إقليمي رائد في هذا المجال.
كما ناقش المجلس التقرير السنوي للمركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، حيث طالب الأعضاء باعتماد إطار وطني يربط الدعم والتمويل بمستوى الأثر والنتائج المحققة، وإعداد برنامج توعوي شامل. هذه التوصيات تهدف إلى تعزيز كفاءة الإنفاق في هذا القطاع الحيوي، ونقل تركيزه من حجم الإنفاق إلى الأثر الحقيقي على المستفيدين والمجتمع، مما يدعم التنمية الاجتماعية والاقتصادية الشاملة ويحقق أهداف رؤية 2030 في تمكين القطاع غير الربحي.
تعزيز الكفاءة الحكومية وإدارة الأصول
تضمنت الجلسة أيضًا مناقشة التقرير السنوي للهيئة العامة لعقارات الدولة، حيث طالب الأعضاء الهيئة بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة لاستخدام جميع الخيارات المتاحة لتملك المقرات الحكومية وخفض المحفظة الاستئجارية. كما دعوا إلى إعادة توجيه استثماراتها نحو الأصول والأراضي غير المستغلة وتطويرها، ودراسة تطوير إطار وطني موحد لإدارة واستثمار الأصول الحكومية. هذه التوصيات تهدف إلى رفع كفاءة الإنفاق العام وتحويله إلى استثمار رأسمالي مستدام، مما يعزز الاقتصاد الوطني ويقلل من الأعباء المالية على المدى الطويل.
وفي سياق متصل، ناقش المجلس تقارير أخرى مهمة شملت المركز الوطني لإدارة النفايات، وصندوق البيئة، ومركز الإسناد والتصفية، والرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومركز الإقامة المميزة. عكست هذه المناقشات حرص المجلس على متابعة أداء جميع الجهات الحكومية وتقييم مدى تحقيقها لأهدافها، مع التركيز على تحسين جودة الخدمات، وتعزيز الاستدامة البيئية، وتطوير الأطر التنظيمية لضمان أعلى مستويات الكفاءة والفعالية.
نحو مستقبل مستدام ومزدهر
تؤكد الجلسة الثلاثون لمجلس الشورى على التزام المملكة الراسخ بتحقيق أهداف رؤية 2030 من خلال حوكمة فعالة، وتنمية مستدامة، واستثمار أمثل للموارد البشرية والطبيعية. إن القرارات والتوصيات الصادرة عن المجلس في هذه الجلسة تعكس رؤية شاملة ومتكاملة لمستقبل المملكة، حيث تسعى إلى تعزيز مكانتها الإقليمية والدولية، وتحسين جودة الحياة للمواطنين، وبناء اقتصاد متنوع ومزدهر. يستمر مجلس الشورى في أداء دوره المحوري كشريك فاعل في مسيرة التنمية، مقدمًا إسهامات قيمة في صياغة السياسات وتوجيه الجهود نحو تحقيق تطلعات القيادة والشعب.


