spot_img

ذات صلة

تلاشي آمال مفاوضات أمريكا وإيران: ترمب يلغي زيارة باكستان

يبدو أن الآمال المعلقة على جولة جديدة من مفاوضات أمريكا وإيران قد تبخرت بشكل مفاجئ، وذلك بعد مغادرة وكيل وزارة الخارجية الإيرانية للشؤون السياسية، عباس عراقجي، العاصمة الباكستانية إسلام أباد، وإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلغاء زيارة مرتقبة لمبعوثيه، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى باكستان. هذه التطورات السريعة تشير إلى تعثر جهود الوساطة التي كانت تهدف إلى تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، وتلقي بظلال من الشك على أي إمكانية لاستئناف الحوار المباشر في المستقبل القريب.

خلفية التوتر: جذور الأزمة الأمريكية الإيرانية

تأتي هذه التطورات في سياق تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، والذي بلغ ذروته بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) في مايو 2018. فرضت إدارة ترمب آنذاك حملة “الضغط الأقصى” على طهران، مستهدفة قطاعاتها النفطية والمصرفية والعسكرية بسلسلة من العقوبات الاقتصادية القاسية. ردت إيران بتقليص تدريجي لالتزاماتها بموجب الاتفاق النووي، وزادت من أنشطتها النووية، مما أثار قلق المجتمع الدولي. شهدت المنطقة تصعيداً عسكرياً متكرراً، بما في ذلك هجمات على ناقلات نفط ومنشآت نفطية، وحوادث إسقاط طائرات مسيرة، مما دفع العديد من الدول إلى السعي لتهدئة الأوضاع وتجنب صراع أوسع نطاقاً.

جهود الوساطة الباكستانية: محاولة لكسر الجمود

في خضم هذا التوتر، برزت باكستان كلاعب محتمل في جهود الوساطة، مستفيدة من علاقاتها التاريخية مع إيران ومحاولاتها للحفاظ على توازن في علاقاتها مع الولايات المتحدة. كان رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان قد أعلن عن سعيه للعب دور الوسيط بين واشنطن وطهران، مؤكداً على أهمية الحوار لتجنب أي تصعيد عسكري في المنطقة. في هذا الإطار، وصل عباس عراقجي إلى إسلام أباد لإجراء محادثات مع كبار المسؤولين الباكستانيين، بما في ذلك رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش المشير قمر جاويد باجوا، في محاولة لاستكشاف سبل التهدئة وإمكانية عقد لقاءات مباشرة. استمرت هذه المحادثات المكثفة لنحو 20 ساعة، مما عكس جدية الجهود الباكستانية في إيجاد أرضية مشتركة.

تداعيات إلغاء الزيارة: مستقبل مفاوضات أمريكا وإيران

بعد مغادرة عراقجي إسلام أباد، أعلن الرئيس ترمب، خلال اتصال هاتفي مع قناة “فوكس نيوز”، عن إلغاء زيارة مبعوثيه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى باكستان، والتي كانت تهدف إلى إجراء محادثات مع الإيرانيين. صرح ترمب قائلاً: “لا، لن يقوموا برحلة تستغرق 18 ساعة للذهاب إلى هناك”، مضيفاً: “نحن نملك كل الأوراق. يمكنهم الاتصال بنا في أي وقت يريدون، لكنكم لن تقوموا بعد الآن برحلات تستغرق 18 ساعة للجلوس والتحدث بلا جدوى.” هذا التصريح يعكس الموقف الأمريكي الذي يرى أن الكرة في ملعب إيران، وأن واشنطن لن تبادر بجهود دبلوماسية مكلفة دون مؤشرات واضحة على استعداد طهران للتفاوض بشروط أمريكية.

نقلت صحيفة “واشنطن بوست” عن مسؤول باكستاني قوله إن بلاده تبذل قصارى جهدها لتحقيق تواصل مباشر بين الولايات المتحدة وإيران، لكنه أقر بأنه “لا شيء مؤكد حتى الآن”. وأضاف المسؤول أن “هناك مسائل تحتاج إلى حسم رغم استعداد الطرفين للقاء مباشر”. هذا يشير إلى وجود عقبات جوهرية تحول دون بدء المفاوضات، ربما تتعلق بالشروط المسبقة أو أجندة المحادثات.

الموقف الإيراني والأمريكي: شروط متباينة

لطالما أكدت إيران أنها لن تجري أي محادثات مع الولايات المتحدة تحت الضغط، وأن رفع العقوبات هو شرط أساسي لأي حوار. في المقابل، تصر واشنطن على أن أي اتفاق جديد يجب أن يكون أوسع نطاقاً من الاتفاق النووي السابق، ليشمل برنامج إيران الصاروخي ونفوذها الإقليمي. هذا التباين في الشروط يجعل من الصعب جداً إيجاد نقطة انطلاق للمفاوضات. مغادرة عراقجي وإلغاء زيارة الوفد الأمريكي يؤكدان أن الفجوة بين الطرفين لا تزال عميقة، وأن جهود الوساطة، حتى من دول صديقة مثل باكستان، تواجه تحديات كبيرة.

في الختام، فإن هذه التطورات الأخيرة تمثل نكسة كبيرة لآمال التهدئة الدبلوماسية في الخليج. ومع استمرار حالة الجمود، يبقى التوتر قائماً، مما يترك الباب مفتوحاً أمام المزيد من التصعيد المحتمل في منطقة حساسة وحيوية للعالم.

spot_imgspot_img