في عصرنا الرقمي المتسارع، قد يبدو الأمر غريباً للوهلة الأولى، لكن دراسة علمية حديثة كشفت عن نتائج غير متوقعة تتعلق بعاداتنا اليومية. تشير الأبحاث إلى أن مشاهدة الطعام على السوشيال ميديا قد لا تزيد الشهية دائماً كما هو شائع، بل يمكن في بعض الحالات أن تخدع الدماغ البشري وتقلل من الرغبة الفعلية في تناول الأكل. هذه النتيجة تفتح باباً جديداً لفهم كيفية تفاعل عقولنا مع المحتوى الرقمي المكثف الذي نتعرض له يومياً.
تطور علاقتنا مع الغذاء: من الشاشات التقليدية إلى مشاهدة الطعام على السوشيال ميديا
لفهم هذا الاكتشاف، يجب أن ننظر إلى السياق التاريخي لعلاقة الإنسان بصور الطعام. في العقود الماضية، كان التعرض لمشاهد الأكل يقتصر على برامج الطبخ التلفزيونية أو الإعلانات التجارية المحدودة، والتي كانت تهدف أساساً إلى الترويج للمنتجات وزيادة المبيعات. ومع ظهور الإنترنت وتطور الهواتف الذكية، انتقلنا إلى عصر الاستهلاك البصري المفرط. أصبحت منصات مثل إنستغرام وتيك توك تعج بمقاطع الفيديو القصيرة والصور عالية الجودة للأطباق المختلفة، مما خلق ثقافة عالمية جديدة تُعرف بظاهرة الموكبانغ (Mukbang) التي نشأت في آسيا وانتشرت عالمياً. هذا التحول الجذري جعل الطعام مادة ترفيهية بحد ذاتها، وليس مجرد حاجة بيولوجية.
ظاهرة الأكل بالعين والإشباع الرمزي
في هذا السياق، وجد الباحثون في جامعة بريستول البريطانية أن بعض الأشخاص، وخصوصاً أولئك الذين يتبعون حميات غذائية صارمة، يلجأون إلى تصفح محتوى الطعام كطريقة بديلة لإشباع رغبتهم دون تناول سعرات حرارية إضافية. تُوصف هذه الظاهرة علمياً بـ «الأكل بالعين»، حيث يتعامل الدماغ مع الصور والمشاهد الشهية كنوع من الإشباع الرمزي. هذا التفاعل العصبي يؤدي إلى إفراز إشارات دماغية تخفف من الإحساس بالجوع مؤقتاً، مما يفسر سبب شعور البعض بالاكتفاء بمجرد مشاهدة الآخرين يتناولون وجبات دسمة.
التأثير المزدوج: الأبعاد الصحية والنفسية محلياً وعالمياً
إن أهمية هذا الحدث العلمي لا تقتصر على مجرد ملاحظة سلوكية، بل تمتد لتشمل تأثيرات عميقة على الصحة العامة محلياً وإقليمياً ودولياً. على المستوى العالمي، تواجه المجتمعات تحديات متزايدة مع معدلات السمنة المرتفعة، وفهم كيف يمكن للصور الرقمية أن تكبح الشهية قد يفتح آفاقاً جديدة لابتكار أساليب علاجية أو تطبيقات رقمية تساعد في إدارة الوزن والتحكم في الرغبات المُلحة. ومع ذلك، فإن الصورة ليست إيجابية بالكامل.
الفئات الأكثر تأثراً والمخاطر المحتملة
تؤكد الدراسة نفسها، مدعومة بأبحاث نفسية أخرى، أن هذا التأثير يختلف بشكل جذري من شخص لآخر. ففي حين أن مشاهدة الطعام على السوشيال ميديا قد تكبح جماح الجوع لدى البعض، إلا أنها قد تتحول إلى محفز سلبي لدى فئات أخرى. كثافة المحتوى الغذائي والمقارنات المستمرة يمكن أن تؤدي إلى زيادة الرغبة الشرهة في الأكل، أو الأسوأ من ذلك، التسبب في ضغوط نفسية مرتبطة بصورة الجسد. وقد أظهرت تقارير دولية أن التعرض المستمر لمحتوى الحميات وإنقاص الوزن يرتبط بشكل وثيق باضطرابات الأكل، خصوصاً بين المراهقين والشباب الذين يشكلون الشريحة الأكبر من مستخدمي هذه المنصات.
في المحصلة، لا تقدم المنصات الرقمية تأثيراً واحداً ثابتاً على صحتنا الغذائية. بل تعمل كعامل مزدوج ومعقد: فهي أداة قد تقلل الرغبة في الأكل لدى البعض عبر الإشباع البصري، بينما تزيدها أو تربك العلاقة الطبيعية مع الطعام لدى آخرين. وهكذا، لم يعد السؤال العلمي المطروح: هل تزيد الشبكات الاجتماعية الشهية أم تقللها؟ بل أصبح: ماذا تشاهد بالضبط، وكيف يترجم دماغك هذه الإشارات البصرية في عالم يفيض بالمغريات الرقمية؟


