تصعيد إسرائيلي يسبق جولات واشنطن الحاسمة
تتجه الأنظار إلى العاصمة الأمريكية حيث تنطلق جولات واشنطن الحاسمة بين وفود لبنانية وأمريكية، في ظل تصعيد عسكري إسرائيلي غير مسبوق على الجبهة الجنوبية. تدخل بيروت هذه المفاوضات مثقلة بوقائع ميدانية قاسية وضغوط دبلوماسية مكثفة، فيما ترفع إسرائيل سقف تهديداتها بهدف فرض ما تسميه مصادر دبلوماسية “استسلاماً تقنياً”، يسعى لترجمة تفوقها العسكري إلى ترتيبات أمنية دائمة على الأرض. وبينما يتمسك الموقف الرسمي اللبناني بمطلب الانسحاب الإسرائيلي الكامل كشرط لأي اتفاق، تبدو هوامش المناورة ضيقة أمام حتمية المسار الدولي الذي ترسمه واشنطن وتل أبيب.
جبهة مشتعلة وخلفية تاريخية معقدة
لا يأتي هذا التصعيد من فراغ، بل يمثل أخطر مواجهة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية منذ حرب عام 2006، التي انتهت بصدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701. هدف القرار حينها إلى إرساء بيئة أمنية مستقرة عبر وقف شامل للأعمال العدائية، ونشر الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل المعززة جنوب نهر الليطاني، ونزع سلاح الجماعات المسلحة. إلا أن التنفيذ الجزئي للقرار أبقى على حالة من الهدوء الهش لعقدين من الزمن. وقد تحطم هذا الهدوء في الثامن من أكتوبر 2023، عندما فتح حزب الله ما أسماها “جبهة إسناد” لغزة، لتبدأ جولة من القصف المتبادل الذي أدى إلى نزوح عشرات الآلاف من المدنيين على جانبي الحدود، ودفع بالمنطقة إلى حافة حرب إقليمية واسعة النطاق.
ضغوط ثلاثية الأبعاد على طاولة المفاوضات
تدرك الأوساط الدبلوماسية أن المباحثات في واشنطن لن تُبنى على النوايا الحسنة، بل ستكون محكومة بالوقائع الميدانية التي تسعى إسرائيل لفرضها عبر استراتيجية “الابتزاز بالبارود”. وتكشف التقارير أن الأجندة الأمريكية تتضمن ثلاثة ملفات تنفيذية رئيسية للضغط على الوفد اللبناني. أولاً، الانتقال من الإطار النظري للقرار 1701 إلى آلية تنفيذية صارمة تشمل نشر أنظمة مراقبة متطورة وأبراج رصد بإشراف دولي، مع تفعيل كامل لصلاحيات الجيش اللبناني واليونيفيل لمنع أي وجود مسلح غير شرعي. ثانياً، طرح معادلة واضحة تربط أي مساعدات مالية دولية لإعادة الإعمار بالتزام لبنان الرسمي ببسط سيادة الدولة وحصرية السلاح بيد مؤسساتها الشرعية. أما الأداة الثالثة، فتتمثل في “العصا الغليظة” للعقوبات الأمريكية، حيث يُنظر إلى الإجراءات الأخيرة التي طالت شخصيات لبنانية على أنها رسالة مباشرة بأن أي محاولة للمماطلة ستُقابل بخنق مالي وسياسي.
تداعيات إقليمية ومستقبل غامض
يحمل مآل هذه المفاوضات أهمية تتجاوز بكثير الحدود اللبنانية. فعلى الصعيد المحلي، قد يمهد أي نجاح دبلوماسي لعودة النازحين وتجنيب لبنان، الذي يعاني من انهيار اقتصادي، حرباً مدمرة. أما الفشل، فيُنذر بتدهور الأوضاع نحو مواجهة شاملة. إقليمياً، من شأن اندلاع حرب واسعة أن يجر أطرافاً أخرى إلى الصراع، وعلى رأسها إيران، مما يهدد بزعزعة استقرار الشرق الأوسط برمته. أما بالنسبة للمجتمع الدولي، والولايات المتحدة تحديداً، فإن التوصل إلى اتفاق يمثل محاولة حيوية لاحتواء الصراع وتأكيد النفوذ الدبلوماسي. ويبقى السؤال المحوري معلقاً: هل تملك بيروت القدرة على تخفيف شروط الالتزام المفروض عليها، أم أنها ستجد نفسها مجبرة على التوقيع على تسوية صيغت بنودها على وقع التصعيد العسكري؟


