أثار الصعود المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي في قطاع العدالة جدلاً واسعاً حول مدى إمكانية استبدال الكوادر البشرية بما يُعرف باسم المحامي الآلي. وفي هذا السياق، أكد نخبة من المحامين والمستشارين القانونيين لـ«عكاظ» أن الذكاء الاصطناعي، رغم إسهامه الفعال في تسريع الإجراءات ورفع كفاءة البحث وإعداد المسودات الأولية، لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يحل محل خبرة المحامي البشري واجتهاده المهني، محذرين من مخاطر جسيمة قد تهدد مصير القضايا وسرية بيانات الموكلين.
تطور العدالة الرقمية: من الأرشفة الإلكترونية إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي
على مدى العقود الماضية، مر قطاع المحاماة والاستشارات القانونية بتحولات تكنولوجية متلاحقة. بدأت هذه الرحلة برقمنة الوثائق والأرشفة الإلكترونية، ثم تطورت إلى قواعد بيانات ضخمة تسهل الوصول إلى الأحكام القضائية والأنظمة التشريعية. ومع ظهور نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، انتقلت التكنولوجيا من دور المساعد الإداري الصامت إلى محاولة محاكاة التفكير البشري وصياغة النصوص القانونية. هذا التطور السريع دفع البعض إلى الترويج لفكره الاعتماد على التقنيات الحديثة كبديل رخيص وسريع، إلا أن الواقع العملي أثبت وجود فجوة عميقة بين سرعة المعالجة التقنية وعمق الفهم القانوني الإنساني.
لماذا لا يمكننا تسليم القضايا إلى المحامي الآلي؟
أوضح المحامي والمستشار القانوني سعد علي الحسيني الشهراني أن أدوات الذكاء الاصطناعي تشهد حضوراً متزايداً في فرز المستندات وتحليل الوقائع وإعداد المسودات الأولية للمذكرات، مما يختصر الوقت والجهد. ومع ذلك، شدد الشهراني على ضرورة أن تظل هذه الأدوات وسائل مساندة تخضع لمراجعة بشرية دقيقة؛ إذ قد تستند إلى نصوص ملغاة أو أحكام غير محدثة، فضلاً عن عجزها عن استيعاب السياق القضائي المعقد وملابسات النزاع. وأشار إلى أن توقع نتائج القضايا يظل أمراً احتمالياً يخضع لسلطة المحكمة التقديرية والدفوع المتبادلة، محذراً من تحديات انتهاك سرية معلومات الموكلين وضعف حماية البيانات.
من جانبها، أيدت المحامية عبير دغريري هذا الطرح، مبينة أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تمثل أدوات مساندة لجمع المعلومات وترتيب الأفكار وتسهيل الوصول للأنظمة، لكنها لا تشكل ركيزة أساسية يُعتمد عليها بالكامل، نظراً لأن لكل قضية ظروفها ومستنداتها الخاصة التي تتطلب اجتهاداً بشرياً خالصاً.
حدود الخوارزميات أمام سلطة القضاء التقديرية
وفي ذات السياق، أكد المحامي عبدالله بن محمد الكاسب أن الذكاء الاصطناعي لم يغير جوهر مهنة المحاماة. وأوضح أن مهاماً مثل فهم القضية، وتقدير الأدلة، والتكييف النظامي الصحيح للوقائع، وصياغة الدفوع، وإدارة المرافعة أمام القضاء، هي مهام ترتبط كلياً بخبرة المحامي واجتهاده المهني. وحذر الكاسب من أن الاعتماد على التقنية قد يؤدي للاستناد إلى معلومات غير دقيقة أو مواد نظامية لا وجود لها، نتيجة عدم قدرة الخوارزميات على الإحاطة بملابسات القضية وربطها بالتكييف الصحيح.
من جهته، أشار المحامي والمستشار القانوني أحمد بن جمعان المالكي إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح واقعاً ملموساً في مجالات متعددة، لكن استخدامه في المحاماة يجب أن يقتصر على البحث القانوني والتحرير الأولي ورصد الأحكام. وحذر المالكي من أن الإفراط في الاعتماد على هذه التقنيات قد يحولها من وسيلة مساعدة إلى بديل يضعف القدرات الفكرية والتحليلية للمحامي، مما قد يتسبب في أخطاء مهنية جسيمة يتحمل المحامي مسؤوليتها القانونية الكاملة أمام القضاء والموكلين على حد سواء.
أثر التحول الرقمي على مستقبل مهنة المحاماة محلياً ودولياً
إن التوازن بين تبني التكنولوجيا والحفاظ على جودة العمل القانوني يمثل تحدياً عالمياً لا يقتصر على السوق المحلي فحسب، بل يمتد إلى الأنظمة القضائية الدولية. يساهم الاستخدام المنضبط للذكاء الاصطناعي في خفض التكاليف التشغيلية للمكاتب القانونية وتسريع وتيرة الفصل في المنازعات، مما ينعكس إيجاباً على بيئة الاستثمار والأعمال. ومع ذلك، فإن غياب التنظيم القانوني الصارم لاستخدام هذه التقنيات قد يؤدي إلى فوضى قضائية ناتجة عن تقديم مذكرات مفبركة أو مضللة تولدها الآلة. لذلك، تتجه الهيئات القضائية والمنظمات المهنية حول العالم إلى وضع أطر أخلاقية وقانونية تضمن بقاء المسؤولية المهنية تحت الإشراف البشري الكامل، لحماية حقوق المتقاضين وصيانة نزاهة العدالة.


