في وقت تتسارع فيه الجهود الدبلوماسية الدولية للتوصل إلى تهدئة، تتواصل مفاوضات وقف إطلاق النار في لبنان برعاية أمريكية في واشنطن لليوم الثاني على التوالي. ومع ذلك، لم يمنع هذا المسار السياسي استمرار العمليات العسكرية على الأرض؛ إذ شهد جنوب لبنان تصعيداً ميدانياً خطيراً أسفر عن مقتل ستة أشخاص في غارات إسرائيلية استهدفت قضاء صور، تزامناً مع توجيه الجيش الإسرائيلي إنذارات عاجلة لإخلاء سبع قرى وبلدات جنوبية، مما يضع الجهود الدبلوماسية أمام اختبار حقيقي ومصيري.
ميدانياً، أفادت وزارة الصحة اللبنانية بأن غارة جوية إسرائيلية استهدفت بلدة الحوش التابعة لقضاء صور، مما أدى إلى مقتل ستة أشخاص، تبين أن من بينهم أربعة مواطنين سوريين وفلسطينيين اثنين. وفي تطور ميداني آخر، استهدفت طائرة مسيرة إسرائيلية آلية تابعة للجيش اللبناني بصاروخ موجه على الطريق الواصل بين دير الزهراني وحبوش في قضاء النبطية، مما تسبب في وقوع إصابات متفاوتة بين العسكريين. كما طال القصف سيارة في الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت، في مؤشر واضح على اتساع رقعة الاستهدافات الإسرائيلية لتشمل مناطق حيوية خارج نطاق الاشتباكات التقليدية.
مسارات واشنطن الدبلوماسية ومستقبل مفاوضات وقف إطلاق النار في لبنان
على الجانب السياسي، تحتضن العاصمة الأمريكية واشنطن جولات مكثفة من المباحثات المباشرة بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي برعاية الإدارة الأمريكية. وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، تومي بيغوت، أن الجانبين عقدا الجولة الرابعة من هذه المفاوضات، مشيراً إلى تحقيق تقدم ملموس على المسارين السياسي والأمني. وبحسب مصادر لبنانية مطلعة، فإن نقاشات اليوم الأول وُصفت بـ “البناءة”، حيث تركزت بشكل أساسي على وضع آليات عملية وجداول زمنية لتنفيذ أي اتفاق محتمل لوقف إطلاق النار، إلى جانب مراجعة نتائج المباحثات العسكرية والأمنية التي جرت في مقر وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) يوم الجمعة الماضي بهدف توفير غطاء أمني داعم للمسار التفاوضي.
جذور الصراع الحدودي وسياق التصعيد الراهن
يأتي هذا التصعيد العسكري المتزامن مع الحراك الدبلوماسي كجزء من جولة مواجهات ممتدة على طول الحدود اللبنانية الجنوبية، والتي ارتبطت تاريخياً بملفات شائكة مثل ترسيم الحدود البرية والبحرية، وتطبيق القرارات الأممية وعلى رأسها القرار 1701. وتسعى إسرائيل من خلال تكثيف غاراتها وفرض أوامر الإخلاء القسري لبلدات مثل جباع، وحومين الفوقا، وواركي، وأرزي، ومزرعة كوثرية الرز، والزرارية، إضافة إلى مبنى في بلدة الخرايب بقضاء صيدا، إلى ممارسة أقصى درجات الضغط الميداني لتحسين شروطها التفاوضية في واشنطن، وفرض واقع أمني جديد يضمن أمن مستوطناتها الشمالية.
التداعيات الإقليمية والدولية لنتائج محادثات واشنطن
تتجاوز أهمية التطورات الحالية النطاق المحلي اللبناني لتلقي بظلالها على الاستقرار الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط برمتها. فنجاح أو فشل المفاوضات الجارية في واشنطن سيحدد شكل التوازنات الأمنية القادمة، لا سيما مع رغبة الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة الرئيس دونالد ترامب في إغلاق ملفات الصراع المشتعلة في المنطقة وتجنب انزلاقها نحو حرب إقليمية شاملة. ويرى مراقبون أن التوصل إلى اتفاق مستدام لن يقتصر تأثيره على وقف نزيف الدماء في جنوب لبنان فحسب، بل سيمهد الطريق لتهدئة جبهات أخرى متداخلة، في حين أن استمرار الغارات وأوامر الإخلاء قد يقوض فرص الحل الدبلوماسي ويعيد المنطقة إلى مربع التصعيد الشامل.


