تتسارع التطورات السياسية والدبلوماسية في الشرق الأوسط، حيث تواجه جهود مجلس السلام في غزة عقبات وتحديات بالغة التعقيد في الانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الصراع. يأتي هذا التعثر في ظل تمسك الحكومة الإسرائيلية بالإبقاء على قواتها العسكرية داخل قطاع غزة، ورفضها القاطع لتنفيذ الانسحاب الكامل المنصوص عليه في بنود الاتفاق، مع إصرار تل أبيب على إعطاء الأولوية القصوى لنزع سلاح حركة حماس وفرض ترتيبات أمنية مشددة على الأرض.
جذور الصراع ومساعي التسوية الدولية في قطاع غزة
تأتي هذه التطورات كامتداد لعقود من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني المعقد، وتحديداً منذ فرض الحصار على قطاع غزة في عام 2007 وما تلا ذلك من جولات تصعيد عسكري متكررة. لطالما كانت المبادرات الدولية تصطدم بملفات شائكة مثل الأمن، والحدود، والانسحاب، وإعادة الإعمار. وتأتي خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحالية كإطار جديد يهدف إلى كسر الجمود السياسي، إلا أن التفاصيل الإجرائية وغياب الثقة المتبادلة يعيدان الأزمة إلى المربع الأول، حيث يرى مراقبون أن المطالب الأمنية الإسرائيلية المتزايدة تمثل تراجعاً عن التفاهمات الأولية التي بُنيت عليها المبادرة.
تفاصيل خطة ترامب وعقبات أمام جهود مجلس السلام في غزة
وفقاً لتقرير نشرته صحيفة “واشنطن بوست” نقلاً عن مسؤولين إسرائيليين، فإن إسرائيل لا تنوي الانسحاب من غزة في المدى المنظور. بل إن بعض الوزراء في الحكومة الإسرائيلية دعوا علناً إلى إعادة إنشاء المستوطنات التي تم إخلاؤها في القطاع عام 2005. وفي هذا السياق، صرح وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير خلال تظاهرة قرب حدود القطاع قائلاً إن “غزة لنا”، وهو ما يعكس رفضاً حكومياً واسعاً لأي انسحاب كامل.
وتشمل المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عملية متدرجة تتضمن نزع سلاح حركة حماس، وانسحاباً تدريجياً للجيش الإسرائيلي، وتشكيل حكومة فلسطينية انتقالية لإدارة شؤون القطاع، بالإضافة إلى نشر قوة دولية لحفظ الأمن بالتزامن مع إطلاق مشاريع إعادة إعمار واسعة النطاق بتمويل دولي.
الأبعاد الإقليمية والمبادرات الإنسانية لإنقاذ غزة
وفي محاولة عملية لتجاوز العقبات ودفع الخطة إلى الأمام، اقترح “مجلس السلام” إنشاء “منطقة إنسانية وإدارية” تجريبية بالقرب من مدينة رفح، تهدف إلى استيعاب نحو 50 ألف فلسطيني. ومن المقرر أن تتولى قوة دولية لم يتم تشكيلها بعد تأمين هذه المنطقة، في حين تصر إسرائيل على فرض تدابير أمنية صارمة تشمل فحص جميع النازحين للتأكد من عدم صلتهم بالفصائل الفلسطينية. ورغم موافقة المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي المبدئية على دخول القوة الدولية، إلا أن هذا الانتشار يظل مشروطاً بموافقة ثلاثية من رئيس الوزراء، ووزير الخارجية، ووزير الدفاع.
على الصعيد الإنساني، أشار برنامج الأغذية العالمي إلى تحسن طفيف في تدفق المساعدات الغذائية، لكنه أكد أن الوضع الإنساني لا يزال كارثياً بسبب النقص الحاد في المياه الصالحة للشرب، والخدمات الطبية، والأدوية الأساسية.
التمويل الدولي ومستقبل التعافي المبكر
رغم التعقيدات السياسية، تتواصل الجهود الدولية لتأمين تمويل مشاريع التعافي وإعادة الإعمار. وقد قدمت دول عربية، من بينها البحرين والمغرب، مساهمات مالية لدعم هذه الجهود. كما وافقت المفوضية الأوروبية و15 دولة أوروبية على تخصيص نحو مليار دولار لدعم مشاريع التعافي المبكر في غزة. ومع ذلك، يظل غياب الثقة المتبادلة والاعتبارات السياسية الداخلية في إسرائيل العقبة الكأداء التي تحول دون تحقيق اختراق حقيقي في المفاوضات الجارية.


