spot_img

ذات صلة

المفاوضات الأمريكية الإيرانية: عقبات النووي والأموال المجمدة

في وقت تشهد فيه المنطقة غلياناً عسكرياً غير مسبوق، دخلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية منعطفاً حرجاً يهدد بانهيار التفاهمات الأولية التي جرى العمل عليها مؤخراً. وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع تصاعد حدة التوتر الميداني وتبادل الضربات الصاروخية بين واشنطن وطهران، مما يضع الجهود الدبلوماسية الإقليمية والدولية أمام اختبار حقيقي لمنع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة شاملة ومفتوحة.

وساطة باكستانية لإنقاذ المفاوضات الأمريكية الإيرانية

وسط هذا المشهد المعقد، وصل وزير الداخلية الباكستاني، محسن نقوي، إلى العاصمة الإيرانية طهران في محاولة لتقريب وجهات النظر وتذليل العقبات التي تعترض طريق التسوية. ويحمل نقوي رسالة هامة من قائد الجيش الباكستاني، عاصم منير، موجهة إلى المرشح الأبرز لخلافة القيادة الإيرانية مجتبى خامنئي، بتوجيهات مباشرة من رئيس الوزراء شهباز شريف. وتأتي هذه التحركات في وقت كشفت فيه المصادر أن القنوات الخلفية لنقل الرسائل بين واشنطن وطهران لا تزال نشطة عبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف. ومع ذلك، يفرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضغوطاً زمنية صارمة، حيث أبلغ الوسطاء بضرورة ألا تتجاوز مدة هذه المفاوضات 60 يوماً، مطالباً طهران برد سريع وحاسم.

الأموال المجمدة والملف النووي: حجر العثرة أمام الاتفاق

تتمثل العقبة الأساسية التي تعيق إحراز تقدم ملموس في آلية رفع الحظر عن الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، والتي تقدر بنحو 12 مليار دولار. وتتمسك طهران بشرط الإفراج عن نصف هذه الأموال فور توقيع الاتفاق المرحلي، على أن يتم تحويل الجزء المتبقي خلال شهرين. في المقابل، تبدي واشنطن تحفظات شديدة حول هذا المقترح وتطالب بآليات رقابة صارمة لضمان عدم استخدام هذه الأموال في تمويل أنشطة تزعزع استقرار المنطقة. أما الملف النووي الإيراني المعقد، فقد اتفق الطرفان على إرجاء مناقشة تفاصيله الفنية الدقيقة إلى ما بعد توقيع الاتفاق الأولي، على أن يتم حسمه خلال مهلة الستين يوماً التي حددتها الإدارة الأمريكية. ورغم هذه التعقيدات، صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن المفاوضات تسير بنجاح، مؤكداً بحسم أن طهران لن تمتلك سلاحاً نووياً أبداً.

السياق التاريخي للصراع وأبعاد التأثير الإقليمي

يعود الصراع الأمريكي الإيراني إلى عقود طويلة من عدم الثقة المتبادلة، وتحديداً منذ الثورة الإيرانية عام 1979 وأزمة الرهائن، مروراً بفرض العقوبات الاقتصادية الصارمة، وصولاً إلى الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي لعام 2015. واليوم، لا يقتصر تأثير نجاح أو فشل هذه المفاوضات على الطرفين فحسب، بل يمتد ليشمل أمن الخليج العربي بأكمله وممرات الملاحة الدولية الحيوية مثل مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس النفط المستهلك عالمياً. إن أي انهيار للمفاوضات قد يؤدي إلى اشتعال جبهات متعددة في الشرق الأوسط، مما يهدد إمدادات الطاقة العالمية والاقتصاد الدولي بشكل مباشر، وهو ما يدفع قوى إقليمية مثل باكستان للتدخل كشريك وسيط يسعى للحفاظ على توازن القوى والاستقرار الإقليمي.

تصعيد ميداني متسارع يهدد مسار السلام

على الجانب الميداني، تجسد التوتر في تبادل عنيف للضربات العسكرية؛ إذ أعلن الجيش الأمريكي استهداف مواقع رادارات مراقبة في جنوب إيران عقب إسقاط أربع طائرات مسيرة إيرانية كانت تهدد الملاحة البحرية المدنية في مضيق هرمز. ورداً على ذلك، أطلق الحرس الثوري الإيراني سبعة صواريخ باليستية باتجاه قواعد أمريكية في الكويت والبحرين، زاعماً استهداف “قواعد العدو” رداً على ما وصفه بالغزو الأمريكي لجزر سيري وقشم. ومن جانبها، أكدت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) اعتراض ستة من هذه الصواريخ دون وقوع أي إصابات في صفوف القوات الأمريكية، واصفة الادعاءات الإيرانية بإلحاق أضرار بمقر الأسطول الخامس في البحرين بأنها كاذبة. هذا التصعيد الميداني دفع بمستشار المرشح الإيراني للشؤون الدولية، علي أكبر ولايتي، إلى التحذير من مغبة تعليق الآمال على “سراب التسويات”، مؤكداً أن السلام الدائم ينشأ فقط من توازن القوى الحقيقي على الأرض.

spot_imgspot_img