هناك لحظات فارقة تغير نظرة الإنسان إلى الحياة دون ضجيج، ومن رحم تجربة إنسانية عميقة ولدت المبادرة الفنية التشكيلية للفنانة السعودية إيمان الحميد لتسليط الضوء على مرض التصلب اللويحي المتعدد. بالتزامن مع اليوم العالمي لهذا المرض، تسعى الحميد إلى تحويل هذه التجربة الصحية شديدة الخصوصية إلى لغة بصرية هادئة ومفعمة بالضوء والأمل، متجاوزةً الطرح الطبي التقليدي لتلامس الوجدان الإنساني الباحث عن العافية والسلام.
رؤية فنية مبتكرة للتوعية بمرض التصلب اللويحي
تقدم الفنانة إيمان الحميد لوحتها المنفذة بالألوان الزيتية على قماش الكانفاس بمقاس 100 × 75 سم، والتي تظهر فيها امرأة تقف بشموخ أمام البحر الممتد، بينما يتسلل الضوء من الأفق البعيد. لم يكن اختيار تفاصيل اللوحة عشوائياً، بل جاء ليعبر عن رحلة التعايش والصبر. يظهر في العمل الوشاح البرتقالي، وهو الرمز العالمي المعتمد للتوعية بمرض التصلب اللويحي، مندمجاً بنعومة وسلاسة داخل التكوين الفني دون أن يسيطر على المشهد أو يفقده قيمته الجمالية. وتؤكد الحميد أن هدفها لم يكن رسم المرض كعنوان طبي جاف، بل الاقتراب من الأثر الإنساني العميق ومساعدة المرضى على استعادة توازنهم النفسي.
السياق التاريخي والوعي العالمي بالمرض
يُعد التصلب المتعدد (أو اللويحي) من الأمراض المناعية المزمنة التي تصيب الجهاز العصبي المركزي، وقد ظل لعقود طويلة محاطاً بالكثير من الغموض والتساؤلات. تاريخياً، واجه المصابون بهذا المرض تحديات هائلة تتعلق بالتشخيص الدقيق وغياب الفهم المجتمعي لطبيعة الأعراض المتقلبة. ومن هنا، انطلقت المبادرات العالمية مثل “اليوم العالمي للتصلب اللويحي” الذي يُحتفل به في نهاية شهر مايو من كل عام، بهدف كسر العزلة حول المرضى، وتبادل الخبرات، ودعم الأبحاث العلمية الساعية لإيجاد حلول علاجية مبتكرة. ويأتي الفن التشكيلي اليوم كأداة تعبيرية قوية تسهم في نقل هذه المعاناة الصامتة من غرف العلاج المظلمة إلى فضاءات النور والوعي العام.
التأثير المتوقع للمبادرات الفنية محلياً ودولياً
لا يقتصر تأثير مشروع إيمان الحميد على النطاق المحلي داخل المملكة العربية السعودية فحسب، بل يمتد ليكون له صدى إقليمي ودولي واسع. فالمملكة تشهد طفرة ثقافية وفنية كبرى تتماشى مع رؤية 2030، حيث يُوظف الفن لخدمة القضايا المجتمعية والإنسانية. تسهم مثل هذه الأعمال الإبداعية في تغيير الصورة النمطية السلبية المرتبطة بالأمراض المزمنة، وتحفيز الحوار المجتمعي حول أهمية الدعم النفسي للمرضى. وعلى الصعيد الدولي، تعزز هذه المشاركات حضور الفن السعودي في المحافل الإنسانية العالمية، وتثبت قدرة المبدع العربي على صياغة رسائل توعوية عالمية بلغة بصرية يفهمها الجميع دون الحاجة إلى ترجمة.
الفن كجسر ممتد نحو العافية والأمل
لم يكن هذا المشروع هو الأول للفنانة إيمان الحميد في مضمار الدمج بين الفن والصحة؛ فقد قدمت سابقاً مشروعاً بصرياً متميزاً حول مرض السكري حظي بتفاعل واسع وحضور إعلامي لافت. وتؤمن الحميد بأن الفن لا ينبغي أن يقتصر على تقديم الجمال المجرد، بل يجب أن يمتلك القدرة على إحداث أثر حقيقي وفتح آفاق جديدة للتأمل والفهم. إن وقوف المرأة في لوحتها أمام البحر يرمز إلى مواجهة تقلبات الحياة بروح صابرة متطلعة دائماً نحو الضوء، ليبقى الوعد بالشفاء والعافية شعلة هادئة لا تنطفئ في قلوب الجميع.


